قصة حياة
٧٠ سَنَةً في خِدمَةِ يَهْوَه في كُوبَا
وُلِدتُ سَنَةَ ١٩٤٧ في جَزيرَةِ كُوبَا الجَميلَة في الكَارِيبِيّ. وهي تَقَعُ عِندَ تَقاطُعِ مِياهِ البَحرِ الكَارِيبِيِّ الشَّمالِيِّ الدَّافِئَة والمُحيطِ الأطْلَسِيّ. بَعدَما وُلِدت، أنجَبَ والِدايَ بِنتَيْن، وعِشنا نَحنُ الخَمسَة في قَريَةٍ اسْمُها إسْمِيرَالْدَا.
الحَياةُ في قَريَتِنا الصَّغيرَة كانَت هادِئَةً جِدًّا. سَكَنَّا قُربَ البَعضِ مِن عائِلَةِ أبي، بِمَن فيهِم إخوَتُهُ وأخَواتُهُ ووالِداه. كانَ لَدَينا ما يَكْفي مِنَ الطَّعامِ وعِشنا حَياةً سَعيدَة.
حينَ كانَ عُمري خَمسَ سَنَواتٍ تَقريبًا، بَدَأ والِدايَ يَدرُسانِ الكِتابَ المُقَدَّسَ مع مُبَشِّرٍ حَماسِيٍّ اسْمُهُ وَالْتُون جُونْز. كانَ والْتُون يَمْشي حَوالَيْ عَشْرِ ساعاتٍ كَي يَصِلَ إلى قَريَتِنا. وكُلَّ مَرَّةٍ أتى فيها، كانَ كَثيرونَ مِن عائِلَتي يَجتَمِعونَ في بَيتِ جَدَّيَّ ويَقْضونَ ساعاتٍ يَتَحَدَّثونَ معهُ عنِ الكِتابِ المُقَدَّس. أحَبَّ والِدايَ وكَذلِك عَمِّي بِيدْرُو وعَمَّتي إيلَا ما كانوا يَتَعَلَّمونَه. فاعتَمَدوا بَعدَ فَترَةٍ قَصيرَة وصاروا مِن شُهودِ يَهْوَه. واليَوم، عَمَّتي عُمرُها ١٠٠ سَنَةٍ تَقريبًا وما زالَت تَخدُمُ كفاتِحَةٍ في كُوبَا.
في ذلِكَ الوَقت، تَمَتَّعَ شُهودُ يَهْوَه بِالحُرِّيَّةِ في كُوبَا. كُنَّا مَعروفينَ بِخِدمَتِنا مِن بَيتٍ إلى بَيتٍ، حامِلينَ حَقائِبَ مَليئَة بِمَطبوعاتٍ مُؤَسَّسَة على الكِتابِ المُقَدَّس. كُنَّا نَمْشي كَثيرًا! لَدَيَّ ذِكرَياتٌ حُلْوَة عن خِدمَةِ يَهْوَه في هذِهِ «الأوْقاتِ المُناسِبَة» خِلالَ سَنَواتِ حَياتي الأُولى. ولكنْ لِلأسَف، كانَتِ «الأوْقاتُ الصَّعبَة» بِانتِظارِنا. — ٢ تي ٤:٢.
أوْقاتٌ صَعبَة في كُوبَا
حينَ كانَ عُمري خَمسَ سَنَواتٍ تَقريبًا، سافَرَ أبي وعَمِّي إلى مِنطَقَةٍ أُخْرى في الجَزيرَةِ لِيَحضُرا اجتِماعًا دائِرِيًّا. لِلأسَف، خِلالَ هذِهِ الرِّحلَةِ أُصيبا بِحُمَّى التِّيفُوئِيد بِسَبَبِ المِياهِ المُلَوَّثَة. حينَ رَجَعا، خَسِرَ عَمِّي كُلَّ شَعرِهِ لكنَّهُ تَعافى مِنَ المَرَض؛ أمَّا أبي فتُوُفِّي. كانَ عُمرُهُ ٣٢ سَنَةً فَقَط.
بَعدَ وَفاةِ أبي، قَرَّرَت أُمِّي أن نَنتَقِلَ لِنَعيشَ مع خالي في قَريَةِ لُومْبِيلُّو. وهذا عَنى أن نَترُكَ أقرِباءَنا بِمَن فيهِم جَدَّايَ اللَّذانِ كانا عَزيزَيْنِ جِدًّا على قَلبِنا. لكنَّنا بَقينا نَعبُدُ يَهْوَه كعائِلَة.
في ٢٦ آب (أُغُسْطُس) ١٩٥٧، اعتَمَدتُ في بِركَةِ مِياهٍ قُربَ لُومْبِيلُّو بِعُمرِ عَشْرِ سَنَوات. لم أتَخَيَّلْ حَجمَ التَّغييراتِ الَّتي كانَ شُهودُ يَهْوَه سيُواجِهونَها في كُوبَا بَعدَ أقَلَّ مِن سَنَتَيْن. فسَنَةَ ١٩٥٩، حَدَثَ انقِلابٌ ضِدَّ الحُكومَةِ وبَدَأ حُكمُ النِّظامِ الشُّيوعِيّ.
أعْطى هذا النِّظامُ أهَمِّيَّةً كَبيرَة لِلخِدمَةِ العَسكَرِيَّة. وهذا أثَّرَ كَثيرًا على شَعبِ يَهْوَه الَّذينَ يُحافِظونَ على حِيادِهِم في المَسائِلِ السِّياسِيَّة والعَسكَرِيَّة أينَما كانوا. نَتيجَةَ ذلِك، خَسِرنا تَدريجِيًّا حُرِّيَّةَ العِبادَةِ الَّتي تَمَتَّعنا بها طَوالَ سَنَوات. وفي النِّهايَة، حَظَرَتِ الحُكومَةُ نَشاطاتِنا المَسِيحِيَّة، وسَجَنَتِ المِئاتِ مِنَ الإخوَةِ الأُمَناء. والبَعضُ مِنهُم غالِبًا ما ضُرِبوا وحُرِموا مِنَ الطَّعام. وأحيانًا، أعْطاهُمُ الحُرَّاسُ طَعامًا يَحتَوي على الدَّم، والكِتابُ المُقَدَّسُ يُحَرِّمُ أكلَ الدَّم.
رَغمَ هذِهِ التَّحَدِّيات، بَقينا نَجتَمِعُ معًا لِنَعبُدَ يَهْوَه. (عب ١٠:٢٥) حتَّى إنَّنا عَقَدنا اجتِماعاتٍ دائِرِيَّة في المَزارِعِ وفي أماكِنَ أُخْرى في البَلَد. أتَذَكَّرُ أنَّ أحَدَ الإخوَةِ كانَ لَدَيهِ حَظيرَةٌ كَبيرَة لِلخِراف، وسَمَحَ لنا مَرَّةً أن نَستَعمِلَها لِنَعقِدَ اجتِماعَنا الدَّائِرِيّ. لم نَقدِرْ أن نُنَظِّفَ الحَظيرَةَ قَبلَ الاجتِماعِ ولا أن نُخرِجَ الخِرافَ مِنها. لكنَّنا عَقَدنا الاجتِماعَ الدَّائِرِيّ، وحَضَرَتهُ خِرافٌ حَرفِيَّة ومَجازِيَّة معًا. — مي ٢:١٢.
نُقَدِّرُ كَثيرًا تَعَبَ الإخوَةِ الَّذينَ ساعَدونا أن نَحصُلَ على الطَّعامِ الرُّوحِيِّ في تِلكَ الأيَّام. مَثَلًا، كانَت بَرامِجُ الاجتِماعاتِ الدَّائِرِيَّة تُسَجَّلُ على كاسيتاتٍ ومِن ثُمَّ تُوَزَّعُ على الجَماعاتِ في البَلَد. وأحيانًا كانَ يُعَيَّنُ أخَوانِ فَقَط ليُحَضِّرا كُلَّ الخِطاباتِ في البَرنامَج، يُلْقِياها، ويُسَجِّلاها. ولِأنَّ الإخوَةَ كانوا يُسَجِّلونَ هذِهِ الكاسيتاتِ في أماكِنَ سِرِّيَّة، كُنَّا نَسمَعُ أحيانًا في الخَلفِيَّةِ صِياحَ الدِّيكِ وأصواتًا غَريبَة أُخْرى. وحينَ لا يَكونُ هُناك كَهرَباءُ في مَوْقِعِ الاجتِماعِ الدَّائِرِيّ، كانَ الإخوَةُ يَجلُبونَ مُوَلِّدًا كَهرَبائِيًّا ويَصِلونَهُ بِدَرَّاجَةٍ هَوائِيَّة ثابِتَة. فيُحَرِّكُ أحَدُهُمُ الدَّوَّاساتِ لِيُوَلِّدَ الكَهرَباء. وهكَذا استَطَعنا أن نُشَغِّلَ الكاسيتاتِ ونَسمَعَ البَرنامَج. رُبَّما لم تَكُنْ ظُروفُنا مِثالِيَّةً ولم يَكُنْ لَدَينا كَمِّيَّةُ المَطبوعاتِ نَفْسُها المَوْجودَة في البُلدانِ الأُخْرى، لكنَّ الطَّعامَ الرُّوحِيَّ لم يَنقُصْنا يَومًا. وطَبعًا، كُنَّا فَرِحينَ جِدًّا بِخِدمَةِ يَهْوَه معًا. — نح ٨:١٠.
الفَتحُ وتَربِيَةُ الأوْلاد
حالَما صارَ عُمري ١٨ سَنَة، بَدَأتُ بِخِدمَةِ الفَتحِ العادِيِّ في بَلدَةِ فْلُورِيدَا. وبَعدَ سَنَةٍ تَقريبًا، تَعَيَّنتُ فاتِحًا خُصوصِيًّا في مَدينَةِ كَامَاغْوَاي عاصِمَةِ المُقاطَعَة. وهُناكَ الْتَقَيتُ أُختًا جَميلَة اسْمُها إمِيلْيَا مِن سَانْتْيَاغُو دِي كُوبَا. فبَدَأنا نَتَعارَفُ وتَزَوَّجنا بَعدَ أقَلَّ مِن سَنَة.
(إلى اليمين) مدرسة خدمة الملكوت للشيوخ في كاماغواي في كوبا، سنة ١٩٦٦
(إلى الشمال) يوم زفافنا، سنة ١٩٦٧
بَدَأتُ أعمَلُ بِدَوامٍ كامِلٍ في أحَدِ مَصانِعِ السُّكَّرِ الكَثيرَة الَّتي تَملِكُها الحُكومَة. فلم نَعُدْ أنا وإمِيلْيَا قادِرَيْنِ أن نَخدُمَ كفاتِحَيْن. مع ذلِك، أرَدنا أن نُخَصِّصَ أكبَرَ وَقتٍ مُمكِنٍ لِلنَّشاطاتِ الرُّوحِيَّة. لِذلِك رَتَّبتُ أن أعمَلَ في المَصنَعِ مِنَ السَّاعَةِ الـ ٣ فَجرًا حتَّى السَّاعَةِ ١١ صَباحًا. لم أكُنْ أُحِبُّ أن أستَيقِظَ باكِرًا إلى هذِهِ الدَّرَجَة، لكنَّ هذا الدَّوامَ سَمَحَ لي أن أبْقى نَشيطًا في الخِدمَةِ وأن أحضُرَ كُلَّ الاجتِماعاتِ مع إمِيلْيَا.
سَنَةَ ١٩٦٩، وُلِدَ ابْني غُوسْتَافُو. وكانَ قد طُلِبَ مِنِّي أن أعودَ إلى الخِدمَةِ كامِلَ الوَقتِ في العَمَلِ الدَّائِرِيّ. في تِلكَ الفَترَة، كانَ شائِعًا في كُوبَا أن يَخدُمَ أخٌ كناظِرِ دائِرَةٍ ويَهتَمَّ بِعائِلَتِهِ في الوَقتِ نَفْسِه. وهكَذا بَدَأَت إحْدى أكثَرِ المَراحِلِ فَرَحًا وانشِغالًا في حَياتِنا. شَعَرنا أنا وإمِيلْيَا أنَّهُ امتِيازٌ كَبيرٌ أن نَنالَ الفُرصَةَ لِنَخدُمَ إخوَتَنا وأخَواتِنا بِهذِهِ الطَّريقَة. وخِلالَ خِدمَتِنا في العَمَلِ الدَّائِرِيّ، وُلِدَ ابْنُنا عُوبِيد، ثُمَّ ابْنُنا أَبْنِير، وبَعدَ سَنَواتٍ قَليلَة وُلِدَتِ ابْنَتُنا مَايِيلِي.
حينَ أتَذَكَّرُ السَّنَواتِ الَّتي قَضَيتُها في العَمَلِ الدَّائِرِيّ، أفرَحُ كَثيرًا أن أرى كَيفَ بارَكَ يَهْوَه شَعبَهُ في كُوبَا. ولا شَكَّ أنَّهُ بارَك أيضًا جُهودَنا كوالِدَيْنِ لِنَزرَعَ المَحَبَّةَ لهُ في قَلبِ أوْلادِنا. دَعوني أُخبِرُكُم كَيفَ كانَت حَياتُنا أنا وإمِيلْيَا في العَمَلِ الدَّائِرِيّ.
العَمَلُ الدَّائِرِيُّ تَحتَ الحَظر
في السِّتِّيناتِ والسَّبعينات، بَدَأنا نَشعُرُ فِعلًا بِتَأثيرِ الحَظرِ على عَمَلِنا. فقد أُقفِلَت قاعاتُ المَلَكوتِ وطُرِدَ المُرسَلونَ مِنَ البَلَد. واعتُقِلَ إخوَةٌ شَبابٌ كَثيرونَ وأُرسِلوا إلى السِّجن. كما أُغلِقَ أيضًا مَكتَبُ الفَرعِ في هَافَانَا.
العمل الدائري، في التسعينات
بِسَبَبِ الحَظر، لم نَقدِرْ أن نَزورَ الجَماعاتِ إلَّا في نِهاياتِ الأسابيع. فكُنَّا نَزورُ كُلَّ جَماعَةٍ يَومَيِ السَّبتِ والأحَدِ على مَدى أُسبوعَيْن. وحينَ كُنَّا نَتَنَقَّل، لم نَأخُذْ معنا أغراضًا كَثيرَة، وغالِبًا ما استَعمَلنا الدَّرَّاجَةَ الهَوائِيَّة لِأنَّها أقَلُّ وَسيلَةِ نَقلٍ تَلفِتُ النَّظَر. طَبعًا، كُنَّا نَقومُ بِهذِهِ الزِّياراتِ في السِّرّ. فلَزِمَ أن تَبْدُوَ وكَأنَّها زِيارَةٌ لِأقرِبائِنا. وهذا لم يَكُنْ صَعبًا. فنَحنُ شَعَرنا أنَّنا وَسَطَ عائِلَتِنا لِدَرَجَةِ أنَّهُ لَزِمَ أن نَنتَبِهَ كَي لا نَنْسى أنَّ زِيارَتَنا هَدَفُها روحِيّ. (مر ١٠:٢٩، ٣٠) كُنَّا دائِمًا بِحاجَةٍ أن نَتَصَرَّفَ بِحَذَر. فغالِبًا ما كانَتِ الشُّرطَةُ تُلاحِقُنا وتَستَجوِبُنا. حتَّى إنَّ الإخوَةَ الَّذينَ استَضافونا كانوا في خَطَرٍ أن يُعتَقَلوا إذا انكَشَفَ أمرُنا. — رو ١٦:٤.
خِلالَ هذِهِ الفَترَة، تَعَرَّفنا على العَديدِ مِنَ الإخوَةِ والأخَواتِ الَّذينَ أظهَروا لنا ضِيافَةً مُمَيَّزَة رَغمَ إمكانِيَّاتِهِمِ المادِّيَّة المَحدودَة. في بَعضِ المَناطِق، بَدا أنَّ عَدَدَ البَرغَشِ أكبَرُ مِن عَدَدِ النَّاس! لكنَّ الإخوَةَ كانوا يَستَغنونَ عن ناموسِيَّتِهِمِ الوَحيدَة كَي نَنامَ مُرتاحينَ في اللَّيل. وآخَرونَ كانوا مُستَعِدِّينَ أن يَستَضيفونا مع أنَّ كَمِّيَّةَ الطَّعامِ لَدَيهِم كانَت قَليلَةً جِدًّا. في الواقِع، كُنَّا أحيانًا نَجلُبُ نَحنُ الطَّعامَ كَي نَأكُلَهُ معَ الإخوَةِ الَّذينَ يَستَضيفونَنا.
لم نَقدِرْ أن نَأخُذَ كُلَّ أوْلادِنا معنا في زِياراتِنا لِلجَماعات. فكُنَّا نَذهَبُ مع وَلَدٍ واحِدٍ فيما اعتَنَت أُمِّي وأُختي بِأوْلادِنا الآخَرينَ في البَيت. في الحَقيقَة، كانَ التَّنَقُّلُ مع طِفلٍ حِمايَةً لنا. فأحيانًا، كانَتِ الشُّرطَةُ تُفَتِّشُنا. لكنَّنا كُنَّا نُخَبِّئُ المَطبوعاتِ في كيسِ الحِفاضاتِ المُتَّسِخَة، مَكانٍ لن تُفَتِّشَهُ الشُّرطَة.
أُقَدِّرُ كَثيرًا الجُهودَ الَّتي عَمِلَتها إمِيلْيَا لِتَهتَمَّ بِالأوْلادِ وتَدعَمَني خِلالَ سَنَواتِنا في الخِدمَةِ كامِلَ الوَقت. وأنا استَطَعتُ أن أُوازِنَ بَينَ عَمَلي الدُّنيَوِيِّ في المَصنَعِ ومَسؤولِيَّاتي كناظِرِ دائِرَة. كَيف؟ كُنتُ أعمَلُ أحيانًا ساعاتٍ إضافِيَّة مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ في الأُسبوعِ كَي آخُذَ عُطلَةً في نِهايَةِ الأُسبوع. ولكنْ لاحِقًا، استَلَمتُ مَنصِبًا جَديدًا، فصِرتُ مَسؤولًا عن فَريقٍ مِنَ العُمَّالِ ودَوامي سَبعَةَ أيَّامٍ في الأُسبوع. لم أقدِرْ أن أرفُضَ هذا الدَّوام. ولكنْ لاحَظتُ بَعدَ فَترَةٍ أنِّي إذا أعْطَيتُ فَريقي ما يَكْفي مِنَ العَمَل، فلن يَحتاجوا إلَيَّ في نِهايَةِ الأُسبوع. وهكَذا أستَطيعُ أن أزورَ الجَماعات. وعلى حَدِّ عِلمي، لم يُلاحِظْ مُدَرائي ولا مَرَّةً أنِّي كُنتُ أغيبُ عنِ العَمَلِ في نِهاياتِ الأسابيع.
الفَرَحُ رَغمَ التَّغييرات
أول اجتماع سنوي بعد نهاية الحظر، سنة ١٩٩٤
في أحَدِ الأيَّامِ سَنَةَ ١٩٩٤، نَظَّمَ الإخوَةُ الَّذينَ يَأخُذونَ القِيادَةَ في كُوبَا اجتِماعًا خُصوصِيًّا في هَافَانَا. ودَعَوْا إلَيهِ كُلَّ النُّظَّارِ الجائِلينَ الَّذينَ عَدَدُهُم ٨٠. فكم فَرِحنا أن نَجتَمِعَ أخيرًا معًا بَعدَ كُلِّ هذِهِ السَّنَوات! وفي هذا الاجتِماع، ناقَشنا في البِدايَةِ بَعضَ التَّعديلاتِ التَّنظيمِيَّة. بَعدَ ذلِك، سَمِعنا إعلانًا صَدَمَنا كَثيرًا. أخبَرَنا الإخوَةُ أنَّهُم يُريدونَ أن يُرسِلوا أسماءَنا إلى السُّلُطات. ولكنْ لِماذا؟!
أوْضَحوا لنا أنَّهُم كانوا يَجتَمِعونَ معَ المَسؤولينَ بِهَدَفِ أن يُحَسِّنوا العَلاقَةَ بَينَ شُهودِ يَهْوَه والحُكومَة. فطَلَبَتِ السُّلُطاتُ لائِحَةً بِأسماءِ كُلِّ نُظَّارِ الدَّوائِر. ووافَقنا جَميعًا على طَلَبِهِم. ومِن ذلِكَ الوَقت، بَدَأَت هذِهِ المُحادَثاتُ تُعْطي نَتائِجَ إيجابِيَّة.
ومعَ الوَقت، استَطَعنا أن نُبَشِّرَ ونَجتَمِعَ عَلَنًا، مع أنَّ الاحتِمالَ أن نَصيرَ دينًا شَرعِيًّا لم يَكُنْ وارِدًا بَعد. واكتَشَفْنا لاحِقًا أنَّ السُّلُطاتِ كانَت تَعرِفُ مِن قَبل أسماءَ بَعضِ النُّظَّارِ الجائِلين، لكنَّها أرادَت أن تَتَأكَّدَ مِن مَعلوماتِها.
في أيْلُول (سِبْتَمْبِر) ١٩٩٤، أعْطَتنا السُّلُطاتُ إذْنًا كَي نُعيدَ فَتحَ مَكتَبِ الفَرع. وقدِ استَطَعنا أن نَستَعمِلَ المَبْنى نَفْسَهُ الَّذي أُغلِقَ مُنذُ ٢٠ سَنَة.
لاحِقًا سَنَةَ ١٩٩٦، اتَّصَلَ بي الإخوَةُ ودَعَوْنا أنا وإمِيلْيَا لِنَخدُمَ في بَيْت إيل. وبَعدَ أن تَخَطَّينا الصَّدمَة، أخبَرتُهُم أنَّ عِندي وَلَدَيْنِ في البَيتِ وهُما الأولَوِيَّةُ بِالنِّسبَةِ لي. فدَرَسَ الإخوَةُ وَضعي، وأكَّدوا لي لاحِقًا أنَّهُم ما زالوا يُريدونَ أن نَخدُمَ في بَيْت إيل. فقَبِلْنا الدَّعوَةَ وبَدَأنا نُخَطِّطُ لِنَنتَقِلَ كعائِلَةٍ إلى هَافَانَا.
(إلى اليمين) إميليا في قسم الخياطة في فرع كوبا، أوائل الـ ٢٠٠٠
(إلى الشمال) تدشين قاعة الاجتماعات الدائرية، سنة ٢٠١٢
بِصَراحَة، في البِدايَةِ لم أستَمتِعْ بِالخِدمَةِ في بَيْت إيل. فأنا قَضَيتُ سَنَواتٍ كَثيرَة في العَمَلِ الجائِل، لِذلِك كُنتُ مُتَعَلِّقًا بِخِدمَةِ الحَقل، واستَصعَبتُ أن أتَوَقَّفَ عنِ التَّفكيرِ فيها. لم يَكُنْ سَهلًا علَيَّ أن أجلِسَ خَلفَ مَكتَب. لكنَّ رِفاقي في بَيْت إيل وخُصوصًا زَوجَتي إمِيلْيَا ساعَدوني أن أُغَيِّرَ نَظرَتي. ومعَ الوَقتِ استَعَدتُ فَرَحي، وأنا اليَومَ أستَمتِعُ كَثيرًا بِخِدمَتي في بَيْت إيل.
(إلى اليمين) تخرج مدرسة الكتاب المقدس للمسيحيين المتزوجين، سنة ٢٠١٣
(إلى الشمال) لجنة فرع كوبا، سنة ٢٠١٣
في اجتماع دائري مع ابنتنا وزوجها
أنا وإمِيلْيَا كَبِرنا في العُمر. لكنَّنا نَفرَحُ كَثيرًا حينَ نُفَكِّرُ في كُلِّ الإخوَةِ والأخَواتِ الَّذينَ كانَ لَدَينا الامتِيازُ أن نَتَعَرَّفَ علَيهِم ونَخدُمَ معهُم طَوالَ هذِهِ السَّنَوات. وما يُفرِحُنا أكثَرَ هو رُؤيَةُ أوْلادِنا وكَذلِك حَفيدَيْنا يَخدُمونَ يَهْوَه. فنَحنُ نَشعُرُ تَمامًا مِثلَ الرَّسولِ يُوحَنَّا المُسِنِّ الَّذي قال: «لا شَيءَ يُفرِحُني أكثَرَ مِن أن أسمَعَ أنَّ أوْلادي ما زالوا يَسيرونَ في الحَقّ». — ٣ يو ٤.
اليَوم، بَعدَ أن مَرَّ على خِدمَتِنا في بَيْت إيل ٣٠ سَنَةً تَقريبًا، نَعمَلُ أنا وإمِيلْيَا كُلَّ جُهدِنا لِنُتَمِّمَ تَعييناتِنا رَغمَ مَعرَكَتِنا اليَومِيَّة مع مَرَضِ السَّرَطان والكِبَرِ في العُمر. خِلالَ سَنَواتِنا في خِدمَةِ يَهْوَه، واجَهْنا تَحَدِّياتٍ كَثيرَة لكنَّنا نَفرَحُ بِأنَّنا نَخدُمُ «الإلهَ السَّعيدَ» مُنذُ ٧٠ سَنَةً تَقريبًا في جَزيرَةِ كُوبَا. — ١ تي ١:١١؛ مز ٩٧:١.