الهيكل
مكان سكن مقدس، مقدِس او مكان مقدس، إما حرفي او روحي، يُستخدم للعبادة. ان الكلمة العبرانية هيكال، التي تُترجم الى «هيكل»، تعني ايضا «قصر». والكلمتان اليونانيتان إيِرون و ناوس تُنقلان كلاهما الى «هيكل»، ويمكن ان تشيرا الى مجمَّع الهيكل بأكمله او الى المبنى الرئيسي فيه. لكنَّ ناوس، التي تعني «مقدِس» او «مكان سكن (مسكن) مقدس»، تشير احيانا بالتحديد الى الغرفتَين الداخليتَين المقدستَين في الهيكل. — انظر «المَقدِس».
هيكل سليمان: كان لدى الملك داود رغبة شديدة ان يبني بيتا ليهوه، بيتا يوضع فيه صندوق العهد الذي كان ‹ساكنا في داخل الشقق›. ورغم ان يهوه اعجبه اقتراح داود، لكنه قال له انه سفك الكثير من الدماء في الحروب، لذلك سيُعطى الامتياز لابنه (سليمان) ان يقوم بعمل البناء. هذا لا يعني ان اللّٰه لم يكن راضيا عن الحروب التي شارك فيها داود باسم يهوه ودفاعا عن شعبه. إلا ان الهيكل كان يجب ان يبنيه رجل سلام في زمن سلام. — ٢ صم ٧:١-١٦؛ ١ مل ٥:٣-٥؛ ٨:١٧؛ ١ اخ ١٧:١-١٤؛ ٢٢:٦-١٠.
الكلفة: لاحقا، اشترى داود بيدر ارنان (ارونة) اليبوسي على جبل المريا ليكون موقع الهيكل. (٢ صم ٢٤:٢٤، ٢٥؛ ١ اخ ٢١:٢٤، ٢٥) ثم جمع ٠٠٠,١٠٠ وزنة من الذهب، ٠٠٠,٠٠٠,١ وزنة من الفضة، وكمية هائلة من النحاس والحديد. وتبرع من ثروته الخاصة بـ ٠٠٠,٣ وزنة من الذهب و ٠٠٠,٧ وزنة من الفضة. كما حصل على تبرعات من الرؤساء: ٠٠٠,٥ وزنة من الذهب، ٠٠٠,١٠ درهم، ٠٠٠,١٠ وزنة من الفضة، وكمية كبيرة من الحديد والنحاس. (١ اخ ٢٢:١٤؛ ٢٩:٣-٧) وبذلك، يكون المجموع ٠٠٠,١٠٨ وزنة من الذهب و ٠٠٠,١٠ درهم من الذهب و ٠٠٠,٠١٧,١ وزنة من الفضة، ما تبلغ قيمته الحالية ٠٠٠,٠٤٧,٣٣٧,٤٨ دولار اميركي. لكنَّ ابنه سليمان لم يصرف هذا المبلغ كله على بناء الهيكل، بل وضع ما تبقى منه في خزينة الهيكل. — ١ مل ٧:٥١؛ ٢ اخ ٥:١.
العمال: ابتدأ الملك سليمان ببناء هيكل يهوه في السنة الرابعة من حكمه (١٠٣٤ قم)، في الشهر الثاني (زيو). واتَّبع التصاميم الهندسية التي حصل عليها داود بالوحي. (١ مل ٦:١؛ ١ اخ ٢٨:١١-١٩) وقد استغرق العمل سبع سنوات. (١ مل ٦:٣٧، ٣٨) ومقابل القمح والشعير والزيت والنبيذ، زوَّد حيرام ملك صور الاخشاب من لبنان وعمالا ماهرين في صناعة الخشب والحجر. اضافة الى ذلك، ارسل حيرام خبيرا مميَّزا اسمه ايضا حيرام، ابوه من صور وأمه اسرائيلية من سبط نفتالي. وكان هذا الرجل عاملا بارعا في صناعة الذهب والفضة والنحاس والحديد والاخشاب والحجارة والاقمشة. — ١ مل ٥:٨-١١، ١٨؛ ٧:١٣، ١٤، ٤٠، ٤٥؛ ٢ اخ ٢:١٣-١٦.
حين كان سليمان ينظِّم عمل البناء، سخَّر ٠٠٠,٣٠ رجل من اسرائيل وأرسلهم الى لبنان مناوبة. فكان يرسل ٠٠٠,١٠ رجل يقضون شهرا في لبنان وشهرَين في بيوتهم. (١ مل ٥:١٣، ١٤) وسخَّر ايضا ٠٠٠,٧٠ رجل من بين «الغرباء» ليكونوا حمَّالين و ٠٠٠,٨٠ ليكونوا قطَّاعين. (١ مل ٥:١٥؛ ٩:٢٠، ٢١؛ ٢ اخ ٢:٢) كما انه عيَّن ٥٥٠ رجلا ليكونوا رؤساء عمال وعلى ما يظهر ٣٠٠,٣ كمعاونين لهم. (١ مل ٥:١٦؛ ٩:٢٢، ٢٣) ويبدو ان ٢٥٠ رجلا من هؤلاء كانوا اسرائيليين و٦٠٠,٣ من «الغرباء» الساكنين في ارض اسرائيل. — ٢ اخ ٢:١٧، ١٨.
طول «الذراع» المستعملة: في ما يلي، سنحسب قياسات الهياكل الثلاثة (التي بناها سليمان، زربابل، وهيرودس) على اساس الذراع التي يبلغ طولها ٥,٤٤ سم (٥,١٧ انشا). ولكن من المحتمل انهم استعملوا الذراع الاطول التي تبلغ نحو ٨,٥١ سم (٤,٢٠ انشا). — قارن ٢ اخ ٣:٣ (التي تأتي على ذكر «الطول بالاذرع على القياس السابق»، الذي ربما كان اطول من قياس الذراع التي صارت تُستعمل عموما) و حز ٤٠:٥؛ انظر «الذراع».
التصميم والمواد: كان الهيكل بناء فخما جدا، يشبه تصميمه العام تصميم الخيمة المقدسة. لكنَّ القياسات الداخلية للقدس وقدس الاقداس كانت اكبر من قياسات الخيمة. فقد بلغ طول القدس ٤٠ ذراعا (٨,١٧ م؛ ٣,٥٨ قدما)، عرضه ٢٠ ذراعا (٩,٨ م؛ ٢،٢٩ قدما)، وارتفاعه كما يبدو ٣٠ ذراعا (٤,١٣ م؛ ٧,٤٣ قدما). (١ مل ٦:٢، ١٧) اما قدس الاقداس فكان مكعبا يبلغ كلٌّ من طوله وعرضه وارتفاعه ٢٠ ذراعا. (١ مل ٦:٢٠؛ ٢ اخ ٣:٨) كما كانت هناك غرف علوية فوق قدس الاقداس ارتفاعها تقريبا ١٠ اذرع (٥,٤ م؛ ٦,١٤ قدما). (١ اخ ٢٨:١١) اضافة الى ذلك، كان هناك بناء جانبي يحيط بالهيكل من ثلاثة جوانب ويتضمن غرفا استُخدمت كمخازن ولأغراض اخرى. — ١ مل ٦:٤-٦، ١٠.
بشكل رئيسي، كانت مواد البناء المستعملة هي الحجارة والخشب. فكانت ارض هذه الغرف ملبَّسة بخشب العرعر، الحيطان الداخلية مصنوعة من خشب الارز عليه نقوش على شكل كروبيم وأشجار نخيل وأزهار، والحيطان والسقف ملبَّسة كاملا بالذهب. (١ مل ٦:١٥، ١٨، ٢١، ٢٢، ٢٩) وصُنع باب القدس (عند مدخل الهيكل) من خشب العرعر الذي نُقشت عليه صوَر ولُبِّس بطبقة من الذهب. (١ مل ٦:٣٤، ٣٥) كذلك، كان هناك بين القدس وقدس الاقداس باب من خشب الزيتون البري الذي نُقشت عليه صوَر ولُبِّس بطبقة من ذهب. ولكن اينما كان موقع هذا الباب بالضبط، فهو لم يحل محل الستارة التي كانت في الخيمة المقدسة. (قارن ٢ اخ ٣:١٤.) ايضا، وُضع في قدس الاقداس كروبان ضخمان من خشب الزيتون البري الملبَّس بالذهب وتحتهما صندوق العهد. — ١ مل ٦:٢٣-٢٨، ٣١-٣٣؛ ٨:٦؛ انظر «الكَرُوب».
صُنعت كل الادوات في القدس من الذهب: مذبح البخور، طاولات خبز التقدمة العشر، والمناير العشر ولوازمها. وبجانب مدخل القدس (الغرفة الاولى)، انتصب عمودان نحاسيان دُعيا «ياكين» و «بوعز». (١ مل ٧:١٥-٢٢، ٤٨-٥٠؛ ١ اخ ٢٨:١٦؛ ٢ اخ ٤:٨؛ انظر «بُوعَز، ٢».) وكانت الساحة الداخلية مصنوعة من الحجارة المنحوتة وخشب الارز. (١ مل ٦:٣٦) وقد صُنعت تجهيزاتها (مذبح الذبائح، «البحر المسبوك» الكبير، العربات العشر لأحواض الماء، وغيرها) من نحاس. (١ مل ٧:٢٣-٤٧) وكانت الساحتان محاطتَين بغرف الطعام. — ١ اخ ٢٨:١٢.
واللافت في عمل بناء هذا الهيكل هو ان كل الحجارة قُطعت في المقلع بالحجم المناسب بحيث تُركَّب في مكانها في موقع الهيكل. «لم يُسمع في البيت عند بنائه مطارق وفؤوس ولا شيء من ادوات الحديد». (١ مل ٦:٧) وقد استغرق عمل البناء سبع سنوات ونصفا (من ربيع ١٠٣٤ قم الى خريف [بول، الشهر الثامن] ١٠٢٧ قم). — ١ مل ٦:١، ٣٨.
التدشين: في الشهر السابع، إيثانيم، على ما يظهر في السنة الـ ١٢ من حكم سليمان (١٠٢٦ قم)، جمع سليمان رجال اسرائيل الى اورشليم للاحتفال بتدشين الهيكل وعيد الخيام. فجُلبت الخيمة المقدسة مع اثاثها ووُضع صندوق العهد في قدس الاقداس. (انظر «قدس الأقداس».) عندئذ، ملأت غيمة يهوه الهيكل. بعد ذلك، سبَّح سليمان يهوه وبارك جماعة اسرائيل. ثم وقف على منصة امام مذبح الذبائح النحاسي (انظر «المذبح»)، وقدَّم صلاة تسبيح طويلة طلب فيها من يهوه ان يُظهِر ولاءه ورحمته للذين يلجأون اليه كي يخافوه ويخدموه، سواء كانوا اسرائيليين او اجانب. وقد قدَّم سليمان والشعب آنذاك ذبيحة عظيمة: ٠٠٠,٢٢ من البقر و ٠٠٠,١٢٠ من الغنم. واستمر التدشين ٧ ايام، وعيد الخيام ٧ ايام. ثم في اليوم الـ ٢٣ من الشهر، ارسل سليمان الشعب الى بيوتهم وقلبهم يطفح فرحا وتقديرا بسبب صلاح يهوه وكرمه. — ١ مل ٨؛ ٢ اخ ٥:١–٧:١٠؛ انظر «سُلَيْمان» (تدشين الهيكل).
لمحة تاريخية: ظل هذا الهيكل موجودا حتى دمرته الجيوش البابلية بقيادة الملك نبوخذنصر سنة ٦٠٧ قم. (٢ مل ٢٥:٩؛ ٢ اخ ٣٦:١٩؛ ار ٥٢:١٣) وطيلة فترة وجوده، انحرف الاسرائيليون مرة بعد مرة الى الاديان المزيَّفة. لذلك، كان اللّٰه يسمح للامم ان تضايق يهوذا وأورشليم، وأن تسلب احيانا كنوز الهيكل. كما ان الهيكل تعرض للاهمال من حين الى آخر. مثلا، نهب شيشق ملك مصر كنوز الهيكل (٩٩٣ قم) في ايام رحبعام بن سليمان، بعد مجرد ٣٣ سنة تقريبا من تدشينه. (١ مل ١٤:٢٥، ٢٦؛ ٢ اخ ١٢:٩) ومع ان الملك آسا (٩٧٧-٩٣٧ قم) امتلك تقديرا كبيرا لبيت يهوه، لكنه تصرف بحماقة ليحمي اورشليم، وذلك حين اعطى بنهدد الاول ملك سوريا فضة وذهبا من كنوز الهيكل كرشوة لينقض اتفاقه مع بعشا ملك اسرائيل. — ١ مل ١٥:١٨، ١٩؛ ٢ اخ ١٥:١٧، ١٨؛ ١٦:٢، ٣.
بعد فترة من الاضطراب وإهمال الهيكل، اشرف يهوآش ملك يهوذا (٨٩٨-٨٥٩ قم) على ترميمه. (٢ مل ١٢:٤-١٢؛ ٢ اخ ٢٤:٤-١٤) وفي ايام ابنه امصيا، نهب يهوآش ملك اسرائيل الهيكل. (٢ مل ١٤:١٣، ١٤) وقد اجرى الملك يوثام (٧٧٧-٧٦٢ قم) بعض اعمال البناء في منطقة الهيكل، فبنى «البوابة العليا». (٢ مل ١٥:٣٢، ٣٥؛ ٢ اخ ٢٧:١، ٣) اما آحاز ملك يهوذا (٧٦١-٧٤٦ قم) فلم يكتفِ بإرسال كنوز الهيكل الى تغلث فلاسر الثالث ملك اشور كرشوة، بل نجَّس ايضا الهيكل حين بنى مذبحا على مثال مذبح في دمشق واستخدمه بدل مذبح النحاس في الهيكل. (٢ مل ١٦:٥-١٦) وفي النهاية، اغلق ابواب بيت يهوه. — ٢ اخ ٢٨:٢٤.
فعل حزقيا بن آحاز (٧٤٥-٧١٧ قم) كل ما يقدر عليه لإبطال اعمال ابيه الرديئة. ففي بداية حكمه، فتح الهيكل من جديد وطهَّره. (٢ اخ ٢٩:٣، ١٥، ١٦) لكنه لاحقا نزع ابواب الهيكل وجوانبها التي كان هو قد لبَّسها بالذهب، وأرسلها الى سنحاريب ملك اشور خوفا منه. — ٢ مل ١٨:١٥، ١٦.
بعدما مات حزقيا، تعرَّض الهيكل للتدنيس والاهمال طوال نصف قرن. فابنه منسى (٧١٦-٦٦٢ قم) فاق كل ملوك يهوذا الذين قبله في الشر. فهو بنى مذابح «لكل جند السموات في دارَي بيت يهوه». (٢ مل ٢١:١-٥؛ ٢ اخ ٣٣:١-٤) وبحلول زمن حفيده يوشيا (٦٥٩-٦٢٩ قم)، كان المبنى الرائع قد صار في حالة مزرية. فمن الواضح ان الفوضى كانت تعمُّه لأنه عندما وجد رئيس الكهنة حلقيا سفر الشريعة (على الارجح، احد الادراج الاصلية التي كتبها موسى)، كان ذلك اكتشافا مذهلا. (٢ مل ٢٢:٣-١٣؛ ٢ اخ ٣٤:٨-٢١) وبعد ترميم الهيكل وتطهيره، احتُفل بأعظم فصح منذ ايام النبي صموئيل. (٢ مل ٢٣:٢١-٢٣؛ ٢ اخ ٣٥:١٧-١٩) وقد حدث ذلك خلال خدمة النبي ارميا. (ار ١:١-٣) ومن ذلك الوقت حتى دمار الهيكل، بقي مفتوحا وظل الكهنة يقومون بخدمتهم فيه رغم ان كثيرين منهم كانوا فاسدين.
الهيكل الذي بناه زربابل: مثلما انبأ نبي يهوه اشعيا، اقام اللّٰه كورش ملك فارس ليحرِّر الاسرائيليين من قبضة بابل. (اش ٤٥:١) كما ان يهوه دفع شعبه بقيادة زربابل من سبط يهوذا ان يرجعوا الى اورشليم ليُعيدوا بناء الهيكل سنة ٥٣٧ قم، بعد ٧٠ سنة من الخراب، اتماما لنبوة ارميا. (عز ١:١-٦؛ ٢:١، ٢؛ ار ٢٩:١٠) ومع ان هذا الهيكل لم يكن بروعة هيكل سليمان، فقد بقي فترة اطول دامت نحو ٥٠٠ سنة، من ٥١٥ قم الى اواخر القرن الاول قم تقريبا (بقي الهيكل الذي بناه سليمان نحو ٤٢٠ سنة، من ١٠٢٧ الى ٦٠٧ قم).
اصدر كورش مرسوما امر فيه بما يلي: «كل مَن بقي في احد الاماكن حيث هو متغرِّب، فليمدَّه اهل مكانه بالفضة والذهب والمقتنيات والبهائم فضلا عن القرابين الطوعية لبيت اللّٰه الذي في اورشليم». (عز ١:١-٤) كما انه اعاد ٤٠٠,٥ اداة من الذهب والفضة التي كان نبوخذنصر قد اخذها من هيكل سليمان. — عز ١:٧-١١.
وفي الشهر السابع (إيثانيم، او تِشري) من سنة ٥٣٧ قم، وُضع المذبح في مكانه السابق. وفي السنة التالية، وُضع اساس الهيكل الجديد. وكما فعل سليمان من قبل، استأجر البناؤون اشخاصا صيدونيين وصوريين ليجلبوا خشب الارز من لبنان. (عز ٣:٧) لكنَّ المقاومة، وخصوصا من السامريين، اخافت البنائين. حتى ان المقاومين حرَّضوا ملك فارس ان يحظر العمل بعد ١٥ سنة تقريبا. — عز ٤.
نتيجة ذلك، اوقف اليهود عمل بناء الهيكل وانشغلوا بأمور اخرى. لذا، ارسل يهوه نبيَّيه حجاي وزكريا ليدفعاهم ان يجدِّدوا نشاطهم في السنة الثانية من حكم داريوس الاول (٥٢٠ قم). بعدئذ، صدر مرسوم يدعم ما امر به كورش في الاصل ويفرض ان تُعطى الاموال من الخزينة الملكية لتزويد البنائين والكهنة بما يحتاجون اليه. (عز ٥:١، ٢؛ ٦:١-١٢) وقد استأنف اليهود عمل بناء بيت يهوه وأكملوه في اليوم الثالث من أذار القمري في السنة السادسة من حكم داريوس (التاريخ الذي ربما يوافق ٦ آذار [مارس] سنة ٥١٥ قم). ثم دشنوا الهيكل الجديد واحتفلوا بالفصح. — عز ٦:١٣-٢٢.
لا نعرف إلا القليل عن تفاصيل التصميم الهندسي لهذا الهيكل الثاني. فمرسوم كورش اجاز انشاء بناء ‹ارتفاعه ستون ذراعا [نحو ٢٧ م؛ ٨٨ قدما]، وعرضه ستون ذراعا، وله ثلاثة صفوف من حجارة تُدحرَج الى مكانها، وصفٌّ واحد من الخشب›. اما طوله فلم يُذكر. (عز ٦:٣، ٤) وقد تضمن الهيكل غرف طعام وغرف تخزين. (نح ١٣:٤، ٥) ولا شك انه احتوى على غرف علوية، وربما كانت هناك مبانٍ اخرى تابعة له، على شبه هيكل سليمان.
هذا الهيكل الثاني لم يكن فيه صندوق العهد، الذي يبدو انه اختفى قبلما استولى نبوخذنصر على هيكل سليمان ونهبه سنة ٦٠٧ قم. والسفر الابوكريفي المكابيين الاول (١:٢١-٢٤، ٥٧؛ ٤:٣٨، ٤٤-٥١) يتحدث عن منارة واحدة بدل المناير العشر التي كانت في هيكل سليمان. ويذكر وجود مذبح الذهب، طاولة خبز التقدمة، والآنية. كما يصف مذبح المحرقات انه من حجر، لا من نحاس مثلما كان المذبح في هيكل سليمان. فبعدما نجَّس الملك انطيوخوس ابيفانوس هذا المذبح (سنة ١٦٨ قم)، أُعيد بناؤه بحجارة جديدة بإشراف يهوذا المكابي.
الهيكل الذي اعاد بناءه هيرودس: لا تصف الاسفار المقدسة هذا الهيكل بالتفصيل. فالمصدر الرئيسي لما يُعرف عن هذا الهيكل هو يوسيفوس، الذي رآه بعينه وروى عن بنائه في الحرب اليهودية و العاديات اليهودية. وتعطي المشنا اليهودية بعض المعلومات. كما يزود علم الآثار القليل من التفاصيل. وقد اعتمدنا هذه المصادر كمرجع للمعلومات الواردة ادناه، التي قد تكون احيانا غير اكيدة. — الصورة، المجلد x، ص x.
يقول يوسيفوس في الحرب اليهودية (١:٤٠١ [٢١:١]) ان هيرودس اعاد بناء الهيكل في السنة الـ ١٥ من حكمه، في حين يقول في العاديات اليهودية (١٥:٣٨٠ [١١:١]) انه بناه في السنة الـ ١٨. وهذا التاريخ الاخير هو الذي يعتمده العلماء عموما، رغم ان تاريخ بداية حكم هيرودس وكيف توصل اليه يوسيفوس ليسا مؤكدَين تماما. وقد استغرق تشييد مبنى الهيكل بحد ذاته ١٨ شهرا. اما بناء الساحات وغيرها فقد استلزم ثماني سنوات. وعندما قال بعض اليهود ليسوع المسيح سنة ٣٠ بم: «بُني هذا الهيكل في ست وأربعين سنة» (يو ٢:٢٠)، كانوا يقصدون كما يظهر العمل المستمر في بناء الساحات والمباني التابعة للهيكل حتى ذلك الحين. ولم ينتهِ هذا العمل إلا قبل نحو ست سنوات من دمار الهيكل سنة ٧٠ بم.
بسبب كره اليهود لهيرودس وعدم ثقتهم به، لم يسمحوا له بتنفيذ اقتراحه ان يعيد بناء الهيكل إلا بعد ان اعدَّ كل شيء لازم للمبنى الجديد. للسبب نفسه، لم يعتبروا هذا الهيكل هيكلا ثالثا، بل مجرد هيكل أُعيد بناؤه، اذ انهم لم يذكروا إلا الهيكلَين الاول والثاني (هيكل سليمان وهيكل زربابل).
اما بخصوص قياسات الهيكل التي اعطاها يوسيفوس فيذكر قاموس سميث للكتاب المقدس (١٨٨٩، المجلد ٤، ص ٣٢٠٣): «قياساته الافقية بالغة الدقة بحيث اننا نشك انه كان لديه امام عينَيه، وهو يكتب، تصميم ما للمبنى اعدَّه قسم . . . في جيش تيطس. وهناك تناقض غريب بين هذه القياسات وقياساته العمودية التي (باستثناءات نادرة) يمكن الاثبات انها مبالَغ فيها لأنها مضاعفة عموما. ولكن بما ان الابنية هُدمت خلال الحصار، فمن المستحيل ان نحكم انه مخطئ بخصوص قياسات الارتفاع».
الاروقة والبوابات: يكتب يوسيفوس ان هيرودس ضاعف حجم منطقة الهيكل، اذ بنى على جوانب جبل المريا حيطانا حجرية ضخمة وسوَّى مساحة من الارض على قمة الجبل. (الحرب اليهودية، ١:٤٠١ [٢١:١]؛ العاديات اليهودية، ١٥:٣٩١-٤٠٢ [١١:٣]) وتقول المشنا (ميدوت ٢:١) ان جبل الهيكل كان مربعا بلغ كل جانب منه ٥٠٠ ذراع (٢٢٣ م؛ ٧٢٩ قدما). وقد احاطت بهذه المساحة اروقة، اي ممرات مسقوفة لها اعمدة. ومثل الهيكلَين السابقَين، كان هذا الهيكل مواجها للشرق. وعلى هذه الجهة كان يقع رواق (ممر) سليمان، المؤلف من مسلكَين وصفوف من اعمدة رخامية. وفي هذا الممر، اتى مرةً بعض اليهود الى يسوع في فصل الشتاء ليسألوه هل هو المسيح ام لا. (يو ١٠:٢٢-٢٤) كما كان هناك ممران على جهة الشمال وجهة الغرب. اما على جهة الجنوب، فكان هناك ممر اضخم بكثير هو الرواق الملكي المؤلف من ثلاثة مسالك وأربعة صفوف من الاعمدة الكورنثية التي بلغ مجموعها ١٦٢. وكان محيط هذه الاعمدة كبيرا جدا بحيث انه استلزم ثلاثة رجال ليحيطوا احدها بأذرعهم، وارتفاعها اكبر بكثير من ارتفاع اعمدة الممرات الاخرى.
كما يتَّضح، كانت هناك ثماني بوابات تؤدي الى منطقة الهيكل: اربع جهة الغرب، اثنتان جهة الجنوب، واحدة جهة الشرق، وواحدة جهة الشمال. (انظر «البوابة (الباب)، المدخل» [بوابات الهيكل].) وبسبب هذه البوابات، شكَّلت الساحة الاولى، ساحة الامم، معبرا يفضِّل المسافرون استخدامه كطريق مختصر بدل الطريق الخارجي الذي يلتف حول الهيكل.
ساحة الامم: دُعيت الساحة الكبيرة المُحاطة بالممرات المسقوفة ساحة الامم لأن الامم غير اليهودية سُمح لهم بالدخول اليها. وهذه الساحة هي التي طرد منها يسوع مرتَين الذين جعلوا بيت ابيه سوقا للتجارة: مرةً في بدايات خدمته على الارض ومرةً في نهايتها. — يو ٢:١٣-١٧؛ مت ٢١:١٢، ١٣؛ مر ١١:١٥-١٨.
كان الشخص يمر في عدة ساحات (كل ساحة مقدسة اكثر من التي قبلها) في طريقه الى المبنى الرئيسي، المقدِس. وفيما هو يعبر ساحة الامم، يجد حائطا ارتفاعه ثلاث اذرع (٣,١ م؛ ٤,٤ اقدام) وفيه فتحات للمرور. وكانت هناك في اعلاه احجار كبيرة منقوش على بعضها تحذيرات باليونانية وعلى بعضها الآخر باللاتينية. يقول النقش باليونانية (حسب احدى الترجمات): «لا يدخلْ اجنبي داخل الحاجز والسياج حول المقدِس. ومَن يُمسَك يُقتل ويكون هو المسؤول عن موته». (قاموس وستْمِنستر الجديد للكتاب المقدس، تحرير ه. غايمَن، ١٩٧٠، ص ٩٣٢) ذات مرة، هاجمت الجموع الرسول بولس في الهيكل، وذلك لأن اليهود نشروا اشاعة انه ادخل شخصا امميا الى المنطقة المحظورة. اضافة الى ذلك، لا يسعنا إلا ان نتذكر هذا الحائط حين نقرأ كلمات بولس ان المسيح «نقض الجدار» الذي فصل بين اليهود والامم، رغم انه كان يتحدث عن حائط مجازي. — اف ٢:١٤، حاشية كمم٨؛ اع ٢١:٢٠-٣٢.
ساحة النساء: للوصول الى ساحة النساء، لزم صعود ١٤ درجة من ساحة الامم. وكان يمكن ان تدخلها النساء لتقديم العبادة. ومن بين الاشياء الموجودة في ساحة النساء، كانت هناك صناديق التبرعات، التي كان يسوع يجلس قرب احدها حين مدح الارملة لأنها اعطت كل ما عندها. (مر ١٢:٤١-٤٤؛ لو ٢١:١-٤) كما تضمنت هذه الساحة عدة مبانٍ.
ساحة الاسرائيليين وساحة الكهنة: كانت خمس عشرة درجة كبيرة نصف دائرية تؤدي الى ساحة الاسرائيليين، التي سُمح للرجال الطاهرين طقسيا ان يدخلوها. وعلى الجانب الخارجي لحائط هذه الساحة كانت هناك غرف تخزين.
بعد هذه الساحة، كانت هناك ساحة الكهنة، التي تماثل ساحة الخيمة المقدسة. وقد احتوت على المذبح المبني من حجارة غير مقطوعة. واستنادا الى المشنا، كان هذا المذبح مربعا قياس كلٍّ من طوله وعرضه ٣٢ ذراعا (٢,١٤ م؛ ٧,٤٦ قدما) عند قاعدته. (ميدوت ٣:١) اما يوسيفوس فيعطي قياسا اكبر. (الحرب اليهودية، ٥:٢٢٥ [٥:٦]؛ انظر «المذبح» [المذبحان في فترة ما بعد الاسر].) وكان الكهنة يصعدون الى المذبح عن طريق طلعة صغيرة. وبحسب المشنا، احتوت هذه الساحة على «مغسلة» ايضا. (ميدوت ٣:٦) كما كان هناك عدة مبانٍ حولها.
مبنى الهيكل: كما في السابق، تألف مبنى الهيكل بشكل رئيسي من غرفتَين: القدس وقدس الاقداس. وللوصول اليه، كان يلزم صعود ١٢ درجة من ساحة الكهنة. وكهيكل سليمان، بُنيت غُرَف على جوانبه وكذلك ايضا غرفة علوية. وكان بابه عند المدخل من ذهب، ارتفاع كل درفة منه ٥٥ ذراعا (٥,٢٤ م؛ ٢,٨٠ قدما) وعرضها ١٦ ذراعا (١,٧ م؛ ٣,٢٣ قدما). وكانت واجهة المبنى اعرض من جزئه الخلفي. فكان لها جناحان ناتئان من جانبَيها، ٢٠ ذراعا (٩,٨ م؛ ٢,٢٩ قدما) من كل جانب. اما القدس من الداخل فكان طوله ٤٠ ذراعا (٨,١٧ م؛ ٣,٥٨ قدما) وعرضه ٢٠ ذراعا. وقد وُضعت فيه المنارة وطاولة خبز التقدمة ومذبح البخور، التي كانت كلها من ذهب.
كان مدخل قدس الاقداس عبارة عن ستارة (حجاب) سميكة مزينة بتطريزات رائعة. وعند موت يسوع، انشقت هذه الستارة الى اثنَين من فوق الى تحت. فانكشف قدس الاقداس وظهر ان صندوق العهد ليس موجودا، بل كان هناك محله لوح حجري كبير كان رئيس الكهنة يرش الدم عليه في يوم الكفارة. (مت ٢٧:٥١؛ عب ٦:١٩؛ ١٠:٢٠) وكان طول هذه الغرفة ٢٠ ذراعا وعرضها ٢٠ ذراعا.
خلال حصار الرومان لأورشليم سنة ٧٠ بم، استخدم اليهود كل منطقة الهيكل كقلعة، او حصن. وقد اشعلوا هم بأنفسهم النيران في الممرات المسقوفة. اما مبنى الهيكل فقد أوقد النار فيه جندي روماني، خلافا لإرادة القائد الروماني تيطس. وبذلك، تمت كلمات يسوع عن مباني الهيكل: «لن يُترَك هنا حجر على حجر إلا ويُنقَض». — مت ٢٤:٢؛ الحرب اليهودية، ٦:٢٥٢-٢٦٦ (٤:٥-٧)؛ ٧:٣، ٤ (١:١).
هيكل يهوه الروحي العظيم: ان الخيمة المقدسة التي بناها موسى والهياكل التي بناها سليمان وزربابل وهيرودس لم تكن إلا نموذجا، او رمزا نبويا. وهذا ما اظهره الرسول بولس عندما كتب ان الخيمة المقدسة، بأوجهها الاساسية التي تضمنتها الهياكل اللاحقة، كانت «صورة رمزية وظلا للاشياء السماوية». (عب ٨:١-٥؛ انظر ايضا ١ مل ٨:٢٧؛ اش ٦٦:١؛ اع ٧:٤٨؛ ١٧:٢٤.) والاسفار اليونانية المسيحية تكشف الى ماذا رمز هذا النموذج. فهي تُظهِر ان الخيمة المقدسة والهياكل التي بناها سليمان وزربابل وهيرودس بمختلف اوجهها مثَّلت هيكلا روحيا اعظم، «الخيمة الحقيقية التي نصبها يهوه لا الانسان». (عب ٨:٢) وهذا الهيكل الروحي، كما تكشف اوجهه المختلفة، هو الترتيب الذي اعده يهوه للاقتراب اليه في العبادة على اساس ذبيحة يسوع المسيح التي تصالحنا مع اللّٰه. — عب ٩:٢-١٠، ٢٣.
تذكر الرسالة الموحى بها الى العبرانيين ان قدس الاقداس في هذا الهيكل الروحي هو «السماء عينها»، مكان سكن اللّٰه. (عب ٩:٢٤) وبما ان قدس الاقداس فقط هو «السماء عينها»، فلا بد ان يكون القدس وساحة الكهنة، بمختلف اوجههما، مرتبطَين بأشياء على الارض، اشياء لها علاقة بيسوع المسيح خلال خدمته على الارض وبأتباعه الذين «لهم نصيب من الدعوة السماوية». — عب ٣:١.
كانت الستارة حاجزا يفصل القدس عن قدس الاقداس. وفي ما يخص يسوع، مثَّلت الستارة «جسده»، الذي كان يجب ان يقدِّمه كذبيحة ويتخلى عنه الى الابد كي يتمكن من الدخول الى السماء التي رمز اليها قدس الاقداس. (عب ١٠:٢٠) المسيحيون المختارون ايضا يجب ان يعبروا الحاجز، اي جسدهم اللحمي، الذي يمنعهم من الدخول الى حضرة اللّٰه في السماء. وبالتالي، يمثِّل القدس حالتهم كأبناء للّٰه مولودين من الروح لديهم الامل ان يعيشوا في السماء، مكافأة سينالونها حين يتخلون عن اجسامهم اللحمية عند الموت ويُقامون بأجسام روحية. — ١ كو ١٥:٥٠؛ عب ٢:١٠.
وهؤلاء المختارون بالروح القدس الذين سيكونون كهنة معاونين مع المسيح يقدرون، وهم لا يزالون في القدس المجازي، ان يتمتعوا بالنور الروحي (الذي تمثِّله المنارة)، ان يأكلوا الطعام الروحي (الذي تمثِّله الارغفة على طاولة خبز التقدمة)، وأن يقدِّموا للّٰه الصلوات والتسبيح والخدمة (امر يمثِّله تقديم البخور العطِر على مذبح البخور الذهبي). ومثلما كان القدس في الهيكل الحرفي محجوبا عن نظر الموجودين خارجه، فإن الذين ليسوا ابناء للّٰه مولودين من الروح لا يستطيعون ان يستوعبوا كاملا كيف يعرف الشخص انه مولود من الروح وماذا يشعر. — رؤ ١٤:٣.
قديما، كان هناك مذبح لتقديم الذبائح في ساحة الهيكل. وهذا المذبح يمثِّل الترتيب الذي هيأه اللّٰه والذي ينسجم مع مشيئته: ان تُقدَّم ذبيحة بشرية كاملة لفداء المتحدرين من آدم. (عب ١٠:١-١٠؛ ١٣:١٠-١٢؛ مز ٤٠:٦-٨) والساحة في الهيكل الروحي لا بد ان لها علاقة بحالة مرتبطة بهذه الذبيحة. ففي ما يخص يسوع، مثَّلت الساحة حالته كإنسان كامل، ما جعل حياته البشرية ذبيحة مقبولة. وفي ما يخص اتباعه المختارين، يعتبر اللّٰه هؤلاء جميعهم بلا لوم على اساس ايمانهم بذبيحة المسيح، وبالتالي يعتبرهم دون خطية وهم لا يزالون في الجسد. — رو ٣:٢٤-٢٦؛ ٥:١، ٩؛ ٨:١.
كانت مختلف اوجه «الخيمة الحقيقية»، هيكل اللّٰه الروحي العظيم، موجودة في القرن الاول الميلادي. والدليل على ذلك هو ما كتبه بولس عن الخيمة المقدسة التي بناها موسى. فقد قال انها «مثال للوقت المعيَّن الذي هو الآن»، اي مثال لشيء كان موجودا وقتما كتب بولس. (عب ٩:٩) وهذا الهيكل كان موجودا بالتأكيد عندما قدَّم يسوع قيمة ذبيحته في قدس الاقداس، اي في «السماء عينها». وفي الواقع، لا بد انه تأسس سنة ٢٩ بم، عندما عيَّن يهوه يسوع بالروح القدس ليخدم كرئيس كهنته العظيم. — عب ٤:١٤؛ ٩:١١، ١٢.
يعِد يسوع المسيح المسيحيين المولودين من الروح: «مَن يغلب [اي مَن يحتمل بأمانة حتى النهاية] فسأجعله عمودا في هيكل إلهي، ولا يعود يخرج منه ابدا». (رؤ ٣:١٢) فهذا الشخص يُمنح مكانا دائما في «السماء عينها»، التي كان قدس الاقداس يرمز اليها.
تتحدث الرؤيا ٧:٩-١٥ عن «جمع كثير»، خدام آخرين ليهوه يقدِّمون له هم ايضا العبادة النقية في الهيكل الروحي. ومع ان هذه الآيات لا تصفهم بتعابير تدل انهم كهنة معاونون ليسوع، لكنها تقول انهم «غسلوا حللهم وبيضوها بدم الحمل». فبسبب ايمانهم بذبيحة المسيح، يُعتبَرون بلا لوم. وهذا يمكِّنهم من ان ‹يأتوا›، اي ينجوا، من «الضيق العظيم».
تنبئ اشعيا ٢:١-٤ وميخا ٤:١-٤ ان ‹جبل بيت يهوه سيرتفع في آخر الايام› وأن اشخاصا من «كل الامم» سيجتمعون في «بيت يهوه» هذا. وبما انه لم يعُد هناك هيكل حرفي ليهوه في اورشليم منذ سنة ٧٠ بم، فلا بد ان هذا لا يشير الى مبنى حرفي، بل الى ترفيع العبادة الحقيقية في حياة شعب يهوه خلال «آخر الايام» وتجميع ضخم لأشخاص من كل الامم ليقدِّموا العبادة في هيكل يهوه الروحي العظيم.
الهيكل الذي شاهده حزقيال في رؤيا: في الفصول ٤٠-٤٧ من حزقيال، يرد وصف مفصَّل لهيكل يُدعى «هيكل يهوه». لكنه ليس هيكلا بُني على جبل المريا في اورشليم، حتى انه لا يسع هناك. كما انه ليس وصفا لهيكل اللّٰه الروحي العظيم. فالرؤيا التي تتحدث عنه تركِّز على ترتيبات العبادة في هذا الهيكل والبركات الناتجة، وكذلك على الاحتياطات المتَّخذة ليبقى خارجا كل مَن لا يستحق ان يكون بين عبَّاد اللّٰه في ساحتَيه.
سنة ٥٩٣ قم، في السنة الـ ١٤ بعد دمار اورشليم وهيكل سليمان، نُقل النبي والكاهن حزقيال في رؤيا الى قمة جبل عالٍ حيث شاهد هيكلا عظيما. (حز ٤٠:١، ٢) وقيل له ان يخبر «بيت اسرائيل» بكل ما يراه، كي يخجل اليهود المأسورون ويتوبوا، ودون شك ايضا كي يتشجع الامناء. (حز ٤٠:٤؛ ٤٣:١٠، ١١) والرؤيا التي شاهدها ركَّزت الانتباه على قياسات الهيكل بالتفصيل. وقد استُعملت ‹القصبة› (القصبة الطويلة: ١١,٣ م؛ ٢,١٠ اقدام) و ‹الذراع› (الذراع الطويلة: ٨,٥١ سم؛ ٤،٢٠ انشا) كوحدتَي قياس. (حز ٤٠:٣، ٥، حاشية عج) وهذا التركيز على القياسات اوصل البعض الى الاستنتاج ان هذا الهيكل كان سيشكِّل نموذجا للهيكل الذي بناه لاحقا زربابل في فترة ما بعد الاسر. لكن ما من دليل قاطع يثبت هذا الافتراض.
كما يتَّضح، كان مجمَّع الهيكل بكامله كناية عن مربع قياس كل جانب منه ٥٠٠ ذراع. وقد تضمن ساحة خارجية، ساحة داخلية مرتفعة، الهيكل ومذبحه، غرف طعام عديدة، ومبنى على الجهة الغربية، او الخلفية، للهيكل. وللدخول الى ساحتَي الهيكل الخارجية والداخلية، كانت هناك ست بوابات ضخمة (كل بوابة هي عبارة عن بناء كبير فيه عدة اجزاء): ثلاث للساحة الخارجية وثلاث للساحة الداخلية. وهذه البوابات كانت جهة الشمال والشرق والجنوب، وكل بوابة داخلية كانت مباشرة خلف (مقابل) البوابة الخارجية التي على الجهة نفسها. (حز ٤٠:٦، ٢٠، ٢٣، ٢٤، ٢٧) وداخل السور الذي حول مجمَّع الهيكل، كان هناك الرصيف الاسفل. وكان عرضه مساويا لطول البوابات الذي بلغ ٥٠ ذراعا (٩،٢٥ م؛ ٨٥ قدما). (حز ٤٠:١٨، ٢١) كما وُجدت هناك ثلاثون غرفة طعام، وهي في الغالب اماكن ليأكل فيها الشعب ذبائح المشاركة. (حز ٤٠:١٧) وعند كلٍّ من الزوايا الاربع لهذه الساحة الخارجية، كانت هناك مواقع ليطبخ فيها الكهنة الحصص التي يأخذها الشعب من الذبائح، حسبما تطلبت الشريعة؛ ثم كان الشعب كما يبدو يأكلون هذه الحصص في غرف الطعام المخصصة لهذا الغرض. (حز ٤٦:٢١-٢٤) ويظهر ان المسافة المتبقية من الساحة الخارجية بين الرصيف الاسفل وبين بوابات الساحة الداخلية بلغ عرضها ١٠٠ ذراع. — حز ٤٠:١٩، ٢٣، ٢٧.
كانت غرف طعام الكهنة منفصلة عن غرف طعام الشعب، ومبنية في مكان اقرب الى مبنى الهيكل. وكانت اثنتان من هذه الغرف (مع غرفتَي طعام المرنمين في الهيكل) تقعان في الساحة الداخلية الى جانب اثنتَين من البوابات الداخلية الضخمة. (حز ٤٠:٣٨، ٤٤-٤٦) وكان لدى الكهنة مجمَّعان لغرف الطعام الى شمال وجنوب مبنى الهيكل. (حز ٤٢:١-١٢) لم تكن هذه الغرف لتناول الطعام فقط، بل استُخدمت ايضا كأماكن ليغيِّر فيها الكهنة ثيابهم الكتانية (التي استعملوها وهم يقدمون الخدمة في الهيكل) قبل دخولهم الساحة الخارجية. (حز ٤٢:١٣، ١٤؛ ٤٤:١٩) اضافة الى ذلك، كان هناك في هذه المساحة خلف مجمَّعَي غرف الطعام من كل جهة مكان ليطبخ فيه الكهنة ويخبزون كالاماكن التي في الساحة الخارجية. لكنَّ هذَين المكانَين كانا مخصَّصَين للكهنة فقط. — حز ٤٦:١٩، ٢٠.
كان الشخص يمر في الساحة الخارجية ويعبر احدى البوابات الداخلية للوصول الى الساحة الداخلية. وكان طرف الساحة الداخلية من الجهة الشرقية والشمالية والجنوبية يبعد ١٥٠ ذراعا (٧,٧٧ م؛ ٢٥٥ قدما) عن طرف الساحة الخارجية. وكان عرض الساحة الداخلية ٢٠٠ ذراع (٦,١٠٣ م؛ ٣٤٠ قدما). (تقول حزقيال ٤٠:٤٧ ان الساحة الداخلية كانت مربعة، طولها ١٠٠ ذراع وعرضها ١٠٠ ذراع. ومن الواضح ان هذا هو فقط قياس المساحة امام مبنى الهيكل التي تؤدي اليها البوابات الداخلية.) وقد احتل المذبح مكانا بارزا في الساحة الداخلية. — حز ٤٣:١٣-١٧؛ انظر «المذبح» (المذبح في هيكل حزقيال).
بلغ طول الغرفة الاولى في المكان المقدس ٤٠ ذراعا (٧,٢٠ م؛ ٦٨ قدما) وعرضها ٢٠ ذراعا (٤,١٠ م؛ ٣٤ قدما). وكان يُدخل اليها عبر باب بدرفتَين، لكل درفة منهما جزءان ينطويان. (حز ٤١:٢٣، ٢٤) وكان موجودا فيها «المائدة [التي] امام يهوه»، وهي مذبح من خشب. — حز ٤١:٢١، ٢٢.
كانت هناك غرف جانبية عرضها اربع اذرع (٢ م؛ ٨,٦ اقدام) مدموجة بالجانب الخارجي من حيطان المكان المقدس على الجهة الغربية، الشمالية، والجنوبية. وقد تألفت هذه الغرف من ثلاثة طوابق، كل طابق فيه ٣٠ غرفة. (حز ٤١:٥، ٦) وللصعود الى هذه الطوابق الثلاثة، كان هناك ممر لولبي (درج دائري كما يبدو) على جهة الشمال وجهة الجنوب. (حز ٤١:٧) اما خلف مبنى الهيكل، او جهة الغرب، فكان هناك مبنى (ممتد بالطول من الشمال الى الجنوب كما يظهر) دُعي بينيان. (حز ٤١:١٢) ورغم ان بعض العلماء حاولوا ان يربطوا بين هذا البناء وبين مبنى الهيكل (او المكان المقدس) نفسه، من الواضح ان سفر حزقيال لا يدعم هذه الفكرة. فشكل وقياسات ‹البناء الذي جهة الغرب› مختلفة عن شكل وقياسات المكان المقدس. ولكن لا شك ان هذا المبنى كان له هدف مرتبط بالخدمات التي كانت تؤدَّى في المكان المقدس. ولربما كان هنالك مبنى واحد او اكثر مماثل له غرب هيكل سليمان. — قارن ٢ مل ٢٣:١١ و ١ اخ ٢٦:١٨.
كان قدس الاقداس بنفس شكل قدس الاقداس في هيكل سليمان: مربع طول كلٍّ من جوانبه ٢٠ ذراعا. وقد شاهد حزقيال في الرؤيا مجد يهوه يأتي من الشرق ويملأ الهيكل الذي قال عنه يهوه: «هذا مكان عرشي». — حز ٤٣:١-٧.
يصف حزقيال سورا حول منطقة الهيكل، قياس كل جانب منه ٥٠٠ قصبة (٥٥٥,١ م؛ ١٠٠,٥ قدم). وقد فهم بعض العلماء انه سور يبعد ٦٠٠ م (٠٠٠,٢ قدم) عن السور الذي حول مجمَّع الهيكل. والمساحة التي بينهما كانت «للفصل بين المقدَّس وغير المقدَّس». — حز ٤٢:١٦-٢٠.
رأى حزقيال ايضا مياها «تخرج من تحت عتبة البيت نحو الشرق»، جنوب المذبح. وقد صارت هذه المياه تدريجيا نهرا عميقا وغزيرا فيما كانت تجري عبر العربة وصولا الى الطرف الشمالي لبحر الملح. وعندما صب هذا النهر في المياه المالحة، شفاها فصارت ملآنة بالسمك. — حز ٤٧:١-١٢.
المسيحيون المختارون، هيكل روحي: يشبَّه المسيحيون المختارون وهم على الارض بهيكل. وهذا التشبيه ملائم لأن روح اللّٰه يسكن في جماعة المختارين. فعندما كتب بولس الى المسيحيين في افسس الذين هم «في اتحاد بالمسيح يسوع» و ‹خُتموا بالروح القدس الموعود به›، قال لهم: «بُنيتم على اساس الرسل والانبياء، والمسيح يسوع نفسه حجر الزاوية الاساسي. في اتحاد به ينمو كل البناء، وهو مقترن معا بانسجام، ليصير هيكلا مقدسا ليهوه. وفي اتحاد به تُبنون انتم ايضا معا لتصيروا مكانا لسكنى اللّٰه بالروح». (اف ١:١، ١٣؛ ٢:٢٠-٢٢) وهؤلاء ‹المختومون› المبنيون على الاساس الذي هو المسيح عددهم ٠٠٠,١٤٤. (رؤ ٧:٤؛ ١٤:١) كما يقول عنهم الرسول بطرس: «تُبنون . . . كحجارة حية بيتا روحيا لتكونوا كهنوتا مقدسا». — ١ بط ٢:٥.
وبما ان هؤلاء الكهنة المعاونين هم «بناء اللّٰه» فهو لن يسمح بأن يُنجَّس هذا الهيكل الروحي. وقد شدَّد بولس على قداسة هذا الهيكل الروحي ومصير كل مَن يحاول ان ينجِّسه حين كتب: «ألستم تعلمون انكم هيكل اللّٰه، وأن روح اللّٰه يسكن فيكم؟ إن دمَّر احد هيكل اللّٰه، يدمِّره اللّٰه، لأن هيكل اللّٰه مقدس، وهو انتم». — ١ كو ٣:٩، ١٦، ١٧؛ انظر ايضا ٢ كو ٦:١٦.
يهوه اللّٰه والخروف ‹هما هيكلها›: بعدما رأى يوحنا اورشليم الجديدة نازلة من السماء، قال: «لم أرَ هيكلا فيها، فإن يهوه اللّٰه القادر على كل شيء هو هيكلها، وكذلك الحمل». (رؤ ٢١:٢، ٢٢) فبما ان اعضاء اورشليم الجديدة سيتواصلون مباشرة مع يهوه وجها لوجه، فلن يكونوا بحاجة الى هيكل ليقتربوا الى اللّٰه بواسطته. (١ يو ٣:٢؛ رؤ ٢٢:٣، ٤) كما ان الذين يؤلفون اورشليم الجديدة سيقدِّمون للّٰه مباشرة خدمة مقدسة تحت قيادة الخروف يسوع المسيح الذي يخدم كرئيس كهنة. لهذا السبب، فإن هيكل اورشليم الجديدة هو الخروف ويهوه معا.
ظهورُ مخادع: في سياق التحذير من الارتداد الذي سيأتي، قال الرسول بولس ان «انسان التعدي على الشريعة» سيرفِّع نفسه بحيث «يجلس في هيكل اللّٰه، مُظهِرا نفسه علانية انه إله». (٢ تس ٢:٣، ٤) وبما ان «انسان التعدي على الشريعة» هذا هو مرتد او معلِّم كذاب، فهو يدَّعي كذبا ان المكان الذي يجلس فيه هو هيكل اللّٰه. — انظر «إنسان التعدِّي على الشريعة».
استعمال مجازي: حين طلب اليهود ذات مرة من يسوع ان يعطيهم علامة، اجابهم: «اهدموا هذا الهيكل، وفي ثلاثة ايام اقيمه». فظن اليهود انه يتكلم عن مبنى الهيكل، لكنَّ الرسول يوحنا يوضح: «أما هو فكان يعني بالهيكل جسده». وبعدما اقام يهوه ابنه يسوع في اليوم الثالث، تذكَّر التلاميذ هذه الكلمات وفهموا معناها وآمنوا بها. (يو ٢:١٨-٢٢؛ مت ٢٧:٤٠) ويسوع لم يقُم بجسده اللحمي الذي قدَّمه ذبيحة. لكنَّ هذا الجسد لم يفسد، بل اخفاه اللّٰه مثلما كانت تختفي الذبيحة التي تلتهمها النيران على المذبح. وعندما أُقيم يسوع، كان هو ذاته بنفس الشخصية، ولكن في جسم جديد مناسب لمسكنه الجديد: السماء الروحية. — لو ٢٤:١-٧؛ ١ بط ٣:١٨؛ مت ٢٠:٢٨؛ اع ٢:٣١؛ عب ١٣:٨.
[الصورة في الصفحة X]
نقش على حائط ساحة هيكل اورشليم (سوريج) يحذِّر الامم غير اليهودية ان لا يقتربوا اكثر