المعلِّم، التعليم
المعلم هو مَن ينقل معلومات او مهارة ما للآخرين من خلال كلامه او مثاله. والمعلم الناجح يعطي عادة شروحات وأدلة تدعم ما يقوله او يستخدم وسائل اخرى لمساعدة سامعيه ان يستوعبوا ما يسمعونه ويتذكروه. ويتلقى الشخص التعليم عن طريق (١) الشرح والتكرار؛ (٢) التأديب، اي التدريب بمحبة (ام ١:٧؛ عب ١٢:٥، ٦)؛ (٣) المراقبة والملاحظة (مز ١٩:١-٣؛ جا ١:١٢-١٤)؛ (٤) التوبيخ (مز ١٤١:٥؛ ام ٩:٨؛ ١٧:١٠).
ان الخالق يهوه اللّٰه هو المعلم العظيم لخدامه الذي لا مثيل له. (اي ٣٦:٢٢؛ ١ مل ٨:٣٦؛ مز ٢٧:١١؛ ٧١:١٧؛ ٨٦:١١؛ ١١٩:١٠٢؛ اش ٣٠:٢٠؛ ٥٤:١٣) فالخليقة بحدِّ ذاتها هي معلم يُظهِر ان هناك خالقا كليّ الحكمة، وهي حقل ابحاث ودراسات لا يزال حتى يومنا هذا غير مكتشَف كاملا. (اي ١٢:٧-٩) عندما خلق اللّٰه آدم، اعطاه لغة والقدرة ان يتكلم بها. (تك ٢:١٩، ٢٠، ٢٣) وقد زوَّده بإرشادات تتعلق بالخليقة (تك الفصلان ١، ٢) وعرَّفه ما هي مطالبه. (تك ١:٢٨-٣٠؛ ٢:١٥-١٧) اضافة الى ذلك، كشف يهوه اللّٰه للبشر عن اسمه ومقاصده وشرائعه بطرق خصوصية. (قارن خر ٤:١٢، ١٥؛ ٢٤:١٢؛ ٣٤:٥-٧.) وهذه المعلومات موجودة في كلمته الكتاب المقدس، وتشكِّل الاساس للتعليم الصحيح عن مشيئته. (رو ١٥:٤؛ ٢ تي ٣:١٤-١٧) ايضا، يعمل روح اللّٰه كمعلم. — يو ١٤:٢٦.
التعليم في زمن الآباء الاجلاء: يتبين من كامل الكتاب المقدس ان العائلة هي الوسيلة الاساسية لمنح التعليم. ففي اقدم المجتمعات، كان الاب رأس عائلته وأهل بيته، الذين ربما شكَّلوا جماعة كبيرة، كأهل بيت ابراهيم. ورأس العائلة كان مسؤولا عن تعليمهم. (تك ١٨:١٩) مثلا، يدل حسن التصرف لدى يوسف انه تلقى تدريبا جيدا وأن اسحاق ويعقوب اتَّبعا مثال ابراهيم في تعليم اولادهما. (تك ٣٩:٤، ٦، ٢٢؛ ٤١:٤٠، ٤١) ايضا، كان ايوب الذي من ارض عوص، وهو احد اقرباء ابراهيم البعيدين، مطَّلعا على المعلومات العلمية والتطورات في مجال الصناعة في زمنه؛ كما ان يهوه اعطاه درسا في تاريخ الطبيعة. — اي ٩:٩،١؛ الفصول ٢٨، ٣٨-٤١.
في الفترة نفسها، امتلك المصريون معرفة لا بأس بها في حقول علم الفلك، الرياضيات، علم الهندسة، الهندسة المعمارية، البناء، وغيرها من الفنون والعلوم. وقد نال موسى «الارشاد في حكمة المصريين كلها. وكان مقتدرا في كلامه وأعماله» (اع ٧:٢٢)، اضافة الى انه تعلَّم من امه عن عبادة يهوه. (خر ٢:٧-١٠) ورغم ان الاسرائيليين كانوا عبيدا في مصر، لكنهم عرفوا القراءة والكتابة واستطاعوا ان يعلِّموا اولادهم. فقبل دخولهم ارض الموعد بقليل، اوصاهم اللّٰه ان يكتبوا وصاياه (بشكل مجازي) على جوانبِ ابوابِ بيوتهم وعلى بوابات مدينتهم، وأن يعلِّموا شريعته لأولادهم. وهذا طبعا كان باللغة العبرانية. — تث ٦:٦-٩؛ قارن تث ٢٧:٣؛ يش ٨:٣٢.
التعليم في ظل الشريعة قبل الاسر: في امة اسرائيل، ظل الوالدون هم المعلمين الرئيسيين المسؤولين عن تعليم اولادهم. (خر ١٢:٢٦، ٢٧؛ تث ٤:٩؛ ٦:٧، ٢٠، ٢١؛ ١١:١٩-٢١؛ مز ٧٨:١-٤) فمنذ بدايات تاريخ الامة، اعتُبر تثقيف الاولاد، روحيا وأخلاقيا وفكريا، من اهم مسؤوليات الوالدين. مثلا، صلَّى منوح والد شمشون وطلب الارشاد كي يعرف كيف يربي ابنه ويدرِّبه. (قض ١٣:٨) ومع ان الاب كان المعلم الرئيسي، إلا ان الام ايضا كان لها دور في التعليم، وخصوصا من ناحية تشجيع الولد ان يتبع ارشادات ابيه وتأديبه. (ام ١:٨؛ ٤:١؛ ٣١:٢٦، ٢٧) وقد ادرك الوالدون ان تدريب الولد في الطريق الصحيح من صِغَره يضمن انه سيسير باستقامة لاحقا حين يكبر. — ام ٢٢:٦.
كان يجب ان يحترم الاولاد والديهم احتراما عميقا. وقد استعمل الوالدون العصا، اي سلطتهم على اولادهم، بحزم. (ام ٢٢:١٥) صحيح انهم كان يجب ان يمارسوا هذه السلطة بمحبة، لكنَّهم كانوا يؤدِّبون الولد غير المطيع تأديبا قاسيا، فيستعملون احيانا عصا حرفية. (ام ١٣:٢٤؛ ٢٣:١٣، ١٤) حتى ان الولد الذي يسب والدَيه او يضربهما كان يُقتل. (لا ٢٠:٩؛ خر ٢١:١٥) اما الابن الذي صار كبيرا وهو متمرد ولا امل ان يتغير فكان يُرجَم. (تث ٢١:١٨-٢١) وفي الواقع، ان اول وصية مع وعد هي الخامسة من الوصايا العشر التي تقول: «أكرِم اباك وأمك، . . . لكي تطول ايامك، ولكي يحالفك التوفيق على الارض التي يعطيك يهوه إلهك». — تث ٥:١٦؛ اف ٦:٢، ٣.
كان على الوالدين ان يعلِّموا اولادهم بانتظام واستمرار في البيت والعمل وعند السفر. وهذا التعليم لم يكن ليقتصر على الكلام والتأديب، بل وجب ان يكون ايضا بالمثال؛ فشريعة اللّٰه لزم ان توجِّه الوالدين في كل مجالات حياتهم. كما ان الذهاب ثلاث مرات سنويا الى الاعياد في اورشليم اعطى الفرصة للوالدين ان يعلِّموا اولادهم دروسا في الجغرافيا، وللاولاد ان يتعرفوا الى اشخاص من كل انحاء بلدهم. — تث ١٦:١٦.
الى جانب التعليم الديني، كان الفتيان يتعلَّمون مهنة ابيهم او حرفة ما. فخلال بناء الخيمة المقدسة، اعطى روح اللّٰه القدرة للحِرفيَّين الماهرَين بصلئيل وأهوليآب ان يعلِّما الآخرين. (خر ٣٥:٣٤) اما الفتيات، زوجات المستقبل، فتعلَّمن واجبات الزوجة وتدرَّبن على اظهار الاحترام العميق لمَن سيصيرون ازواجهن، تمثلا بسارة. (تك ١٨:١٢؛ ١ بط ٣:٥، ٦) فالزوجة القديرة، كما يصفها الامثال الفصل ٣١، كانت تمتلك العديد من المقدرات والمسؤوليات وتحقِّق انجازات كثيرة.
مثلما يظهر، نال الصبيان والبنات كلاهما تدريبا موسيقيا. فقد كان هناك موسيقيات ومغنيات. (١ صم ١٨:٦، ٧) كما وُجد بين اللاويين الذكور مؤلِّفي ترانيم وأشعار، موسيقيين، ومغنين. — مز ٨٧: العنوان؛ ٨٨: العنوان؛ ١ اخ ٢٥.
خصَّص اللّٰه سبط لاوي بكامله، وخصوصا الكهنة، ليكونوا معلمين دينيين للامة ككل. فقد تأسس ترتيب الكهنة سنة ١٥١٢ قم. وإحدى مهماته كانت تعليم الشعب شريعة اللّٰه. فلا شك ان موسى الذي كان من سبط لاوي ووسيط عهد الشريعة علَّم الشعب شريعة اللّٰه (خر ١٨:١٦، ٢٠؛ ٢٤:١٢)؛ كما أُلقيت على عاتق الكهنة واللاويين غير الكهنة المسؤولية ان يتأكدوا ان الشعب فهِم كل الوصايا التي اعطاها لهم يهوه بواسطة موسى. (لا ١٠:١١؛ ١٤:٥٧؛ تث ١٠:١٧، ١١؛ ٢ اخ ١٥:٣؛ ٣٥:٣) ووجب ان يقرأ اللاويون الشريعة علنا امام الشعب خلال عيد الخيام في كل سنة سبت. ولم يكن هناك في هذه المناسبة فصل اجتماعي على اساس العمر او الجنس، بل كان جميع الشعب، كبارا وصغارا ورجالا ونساء، بمن فيهم الاجانب داخل المدن وكل مَن بإمكانه ان يفهم، يجتمعون معا ليسمعوا القراءة. (تث ٣١:٩-١٣) وأحيانا، كان اللاويون يغرسون شرائع اللّٰه في عقول سامعيهم حين يذكرون الشريعة ثم يجعلونهم يعلنون موافقتهم. (قارن تث ٢٧:١٤-٢٦.) وكان الكهنة واللاويون يعلِّمون المبادئ عن عدل اللّٰه من خلال قراراتهم القضائية. (تث ١٧:٨-١٣؛ ١ اخ ٢٦:٢٩؛ ٢ اخ ١٩:٨-١١) ويخبرنا الكتاب المقدس ان الملك يهوشافاط اطلق حملة تعليمية في السنة الثالثة من حكمه، فأرسل الرؤساء والكهنة واللاويين في جولة في كل انحاء يهوذا ليعلِّموا الشعب شريعة اللّٰه. — ٢ اخ ١٧:٩.
علَّم الانبياء الشعب عن صفات يهوه ومقاصده، كشفوا اخطاء الاسرائيليين، وأرشدوهم الى الطريق الصحيح. وغالبا ما علَّموا شفهيا، ثم في وقت لاحق كان تعليمهم يدوَّن كتابيا. (قارن ١ صم ١٢:٢٣-٢٥؛ اش ٧:٣، ٤؛ ٢٢:١٥، ١٦؛ ار ٢:٢.) وقد شملت اساليب تعليمهم استعمال الاسئلة (ار ١٨:١٣، ١٤؛ عا ٣:٣-٨؛ حج ٢:١١-١٤)، الامثلة والايضاحات (٢ صم ١٢:١-٧؛ اش ١٠:١٥؛ ار ١٨:٣-١٠)، الالغاز (حز ١٧:٢)، والتمثيل الرمزي للاحداث (١ مل ١١:٣٠-٣٢؛ ار ١٣:٤-١١؛ ١٩:١-١٢؛ ٢٧:٢؛ ٢٨:١٠-١٤؛ حز ٤:١–٥:٤).
يشكِّل الشِّعر، الذي يُعتبَر من الناحية التعليمية مساعدا فعَّالا على الحفظ، جزءا لا بأس به من الاسفار العبرانية. والشِّعر العبراني لم يرتكز على القوافي بل على التوازي في الافكار، اي ايقاع الافكار. كما تضمَّن صورا كلامية مستوحاة من الخليقة، اشياء مألوفة للجميع حتى الاولاد. وقد تميَّز الشعر العبراني ايضا باستخدام التركيب الابجدي، اي وضع الحرف الاول من كل بيت بالترتيب الابجدي. (مز ٢٥، ٣٤، ٣٧، ١١١، ١١٢، ١١٩؛ ام ٣١:١٠-٣١؛ مرا ١–٤) ولكن احيانا كانت عدة ابيات تبدأ بالحرف نفسه؛ مثلا، تبدأ كل ثمانيةٍ من الابيات الـ ١٧٦ في المزمور ١١٩ بحرف من الابجدية العبرانية، ابتداء من الحرف آليف، ثم بيت، وهلم جرًّا حتى تنتهي الحروف الـ ٢٢ من الابجدية.
التعليم بعد الرجوع من الاسر: بعدما عاد الاسرائيليون من بابل وبنوا الهيكل، كان هناك حاجة ماسة الى تعليم الشعب عن العبادة الحقة. وعزرا الكاتب كان ناسخا وخبيرا في الشريعة. (عز ٧:١، ٦) فقد جمع الكثير من السجلات، نسَخ الاسفار العبرانية، وساهم في ترتيب قانون هذه الاسفار. كما انه قام بواجباته ككاهن من سبط لاوي حين اخذ القيادة في تعليم امة اسرائيل شريعة اللّٰه. (عز ٧:١١، ١٢، ٢٥) فقد نظَّم الكهنة واللاويين الذين كانوا قد رجعوا من بابل لتطبيق برنامج تعليميّ لقراءة الشريعة وتفسيرها للاسرائيليين العائدين وأولادهم بهدف ردّ العبادة الحقة. (نح ٨:٤-٩) اما النُّساخ العبرانيون، او الكتبة (السُّفَريم) فكانوا يعرفون الشريعة جيدا. ورغم انهم لم يكونوا كلهم لاويين، صاروا ابرز مَن علَّم الشعب. ولكن بمرور الوقت، ادخلوا الكثير من التقاليد وحرَّفوا تعاليم كلمة اللّٰه الحقة. — انظر «الكاتب».
التعليم في القرن الاول الميلادي: ظل الوالدون هم المسؤولين الرئيسيين عن تعليم اولادهم، وخصوصا في سنواتهم الباكرة. (٢ تي ١:٥؛ ٣:١٤، ١٥) فنحن نقرأ ان أبا يسوع بالتبني وأمه ربياه في الناصرة وأنه كان يكبر ويزداد قوة وحكمة. فبعمر ١٢ سنة، تعجب المعلمون في الهيكل من فهمه وأجوبته. (لو ٢:٤١، ٤٦-٥٢) ايضا، كان مطلوبا من الوالدين ان يعلِّموا اولادهم حرفة ما.
خلال خدمة يسوع على الارض، كان الكتبة ما زالوا المعلمين الرئيسيين علنا وفي المدارس التي أُقيمت في المجامع. (انظر «المجمع».) وقد درَّسوا العلوم الفيزيائية اضافة الى الشريعة والتعاليم الربانية التي أُضيفت الى الشريعة. لكنهم لم يحاولوا ان يفهموا مشاكل الناس وحاجاتهم. بل شدَّدوا، مثلهم مثل الفريسيين، على التطبيق الشكلي للفرائض والتقاليد اكثر من الرحمة والعدل والامانة. فصارت الشريعة عبئا على الناس. (مت ٢٣:٢-٤، ٢٣، ٢٤؛ لو ١١:٤٥، ٤٦) كما ان تعليمهم لم يكن فعَّالا كما يلزم، لأنهم تكبروا على عامة الشعب ولم يكونوا امثلة جيدة للآخرين. — قارن مت ٢٣:٣، ٦، ٧؛ يو ٧:٤٨، ٤٩.
لماذا كان تعليم يسوع فعّالا ومتميِّزا؟
كان يسوع معلما لا مثيل له. فمعاصروه الذين آمنوا به والذين لم يؤمنوا، حتى خصومه، اعترفوا انه معلم له سلطة وشعبية مميَّزتان. فتلاميذه دعوه «رابِّي»، كلمة عبرانية معناها «معلم». (مر ٩:٥؛ انظر «رابِّي».) والقادة الدينيون اليهود، رغم انهم لم يكونوا صادقين كما يتضح، نادوه ايضا بكلمة «معلم [باليونانية ديداسكالوس]». (مت ٨:١٩؛ ٩:١١؛ ١٢:٣٨؛ ١٩:١٦؛ ٢٢:١٦، ٢٤، ٣٦؛ لو ٢٠:٣٩، ٤٠؛ مر ١٢:٣٢، ٣٤؛ يو ٣:٢) والحراس الذين ارسلهم الفريسيون للقبض عليه، تأثروا كثيرا بتعليمه حتى انهم عادوا فارغي الايدي وقالوا: «لم يتكلم قط انسان غيره هكذا». (يو ٧:٤٦) فيسوع علَّم ‹كمَن له سلطة، لا كالكتبة›. (مت ٧:٢٩) كيف ذلك؟
بدايةً، مصدر تعليمه ومعرفته الواسعة جدا كان اللّٰه. (يو ٧:١٦؛ ٨:٢٨) فهو بنفسه قال انه لم يتكلم من عنده، بل جاء باسم ابيه وتكلم بما تعلَّمه من ابيه. (يو ٥:١٩، ٣٠، ٤٣؛ ٦:٣٨؛ ١٠:٢٥) وبما انه ابن اللّٰه الوحيد، امتلك علاقة لصيقة بأبيه وإلهه قبل ان يأتي الى الارض. لذا، ما من انسان آخر عرف اللّٰه مثلما عرفه هو، امر مكَّنه من ان يعلِّم بسلطة عن صفات ابيه وأعماله ومقاصده. فكما قال هو نفسه: «ليس احد يعرف الابن تماما إلا الآب، وليس احد يعرف الآب تماما إلا الابن، ومن اراد الابن ان يكشفه له». — مت ١١:٢٧؛ يو ١:١٨.
ايضا، كان يسوع يعرف جيدا كلمة اللّٰه المكتوبة. فعندما سُئل ما اهم وصية في الشريعة، لخَّص فورا الشريعة بأكملها في وصيتَين، اذ اقتبس من التثنية (٦:٥) واللاويين (١٩:١٨). (مت ٢٢:٣٦-٤٠) ومن المعروف انه خلال خدمته، اقتبس بشكل مباشر او غير مباشر من نحو نصف الاسفار العبرانية: التكوين (٢:٢٤؛ مت ١٩:٥؛ مر ١٠:٧، ٨)، الخروج (٣:٦؛ مت ٢٢:٣٢؛ لو ٢٠:٣٧)، اللاويين (١٤:٢-٣٢؛ مت ٨:٤)، العدد (٣٠:٢؛ مت ٥:٣٣)، التثنية (٥:١٦؛ مت ١٥:٤؛ مر ٧:١٠)، صموئيل الاول (٢١:٤-٦؛ مت ١٢:٣، ٤)، ملوك الاول (١٧:٩؛ لو ٤:٢٦)، ايوب (٤٢:٢؛ مت ١٩:٢٦)، المزمور (٨:٢؛ ١١٠:١؛ مت ٢١:١٦؛ ٢٢:٤٤)، الامثال (٢٤:١٢؛ مت ١٦:٢٧)، اشعيا (٦:٩، ١٠؛ مت ١٣:١٤، ١٥؛ يو ١٢:٤٠)، ارميا (٧:١١؛ مت ٢١:١٣؛ مر ١١:١٧؛ لو ١٩:٤٥، ٤٦)، المراثي (٢:١؛ مت ٥:٣٥)، دانيال (٩:٢٧؛ مت ٢٤:١٥)، هوشع (٦:٦؛ مت ٩:١٣)، يونان (١:١٧؛ مت ١٢:٤٠)، ميخا (٧:٦؛ مت ١٠:٢١، ٣٥، ٣٦)، زكريا (١٣:٧؛ مت ٢٦:٣١)، وملاخي (٣:١؛ مت ١١:١٠).
لم يستعمل يسوع في تعليمه كلمات الكتبة الفلسفية، بل نقل المعلومات بأسلوب بسيط، حجج منطقية دامغة، اسئلة تدعو الى التفكير، صور كلامية مدهشة، وإيضاحات وأمثال مستوحاة من امور مألوفة لدى سامعيه. (مت ٦:٢٥-٣٠؛ ٧:٣-٥، ٢٤-٢٧؛ انظر «الأمثال والإيضاحات».) هذا وإن يسوع عامل سامعيه بتفهُّم. فعندما لم يفهم تلاميذه مغزى مثل اعطاه لهم، شرحه لهم بصبر. (مت ١٣:١٠-٢٣) وإدراكا منه لحدودهم، لم يمطرهم بالكثير من المعلومات. (يو ١٦:٤، ١٢) وكرَّر المعلومات نفسها عند الحاجة. (مر ٩:٣٥؛ ١٠:٤٣، ٤٤) كما انه غالبا ما دعم اجوبته عن اسئلة مستمعيه بأمثال وإيضاحات او من خلال دروس عملية. وبذلك ترك اثرا عميقا في اذهانهم ودفعهم الى التفكير. (مت ١٨:١-٥، ٢١-٣٥؛ لو ١٠:٢٩-٣٧) لذلك لا تزال تعالميه مفهومة حتى يومنا هذا.
ومن اهم ما جعل يسوع معلما ماهرا هو انه احب الذين علَّمهم. (مر ١٠:٢١؛ يو ١٣:١، ٣٤؛ ١٥:٩، ١٢) فنادرا ما احب معلم تلاميذه بحيث كان مستعدا ان يضحي بحياته من اجلهم، مثلما فعل هو. (يو ١٥:١٣) كما انه حنَّ على الناس الى حدِّ انه ضحَّى براحته ليعلِّمهم. فذات مرة، ذهب مع تلاميذه في مركب الى مكان منعزل ليرتاحوا قليلا. «لكنَّ الناس رأوهم ذاهبين وعرف كثيرون ذلك، فتراكضوا الى هناك من جميع المدن جريا على الاقدام وسبقوهم. ولما خرج رأى جمعا كثيرا، فأشفق عليهم، لأنهم كانوا كخراف لا راعي لها. فابتدأ يعلِّمهم اشياء كثيرة». (مر ٦:٣١-٣٤) وما جعل تعليمه فعَّالا ايضا هو انه فهم الناس. فقد تحلَّى بالتمييز، الذي ازداد شدةً بسبب معرفته العجائبية لخلفية الآخرين وأفكارهم. (مت ١٢:٢٥؛ لو ٦:٨؛ يو ١:٤٨؛ ٤:١٨؛ ٦:٦١، ٦٤؛ ١٣:١١) «فقد كان هو نفسه يعرف ما في الانسان». — يو ٢:٢٥.
لم يعلِّم يسوع بدافع اناني، لأنه كان بلا خطية ولا خبث. (عب ٧:٢٦) وتضمَّن تعليمه التوبيخ والتأديب. (مر ٨:٣٣) كما انه لم يعلِّم بالكلام فقط بل ايضا بالمثال. فقد قام هو شخصيا بحملة تبشيرية وتعليمية بكل حماسة. كما انه في احدى المرات، غسل اقدام تلاميذه كي يعلِّمهم ان يخدموا بعضهم بعضا. (يو ١٣:٢-١٦) ومثال يسوع الكامل اعطى قوة لتعليمه. (يو ١٣:١٥) فهو لم يكن مثل الكتبة والفريسيين الذين قال هو نفسه عنهم: «افعلوا كل ما يقولونه لكم واحفظوه، ولكن لا تفعلوا حسب اعمالهم، لأنهم يقولون ولا يفعلون». — مت ٢٣:٣.
تكلم يسوع بسلطة لم يكن بإمكان الكتبة ان يضاهوها. وقد ترافق ذلك مع دعم روح اللّٰه القدس. وهذا الدعم اكَّد ان تعاليمه هي من اللّٰه، الامر الذي مكَّنه من ان يأمر الشياطين بسلطة وقدرة ان تخرج من الاشخاص الذين تسيطر عليهم. (مر ١:٢٧؛ لو ٤:٣٦) كما كانت لديه الجرأة والشجاعة ليفضح المعلمين الزائفين الذين حاولوا منع الآخرين من سماع تعاليمه. — مت ٢٣.
دور روح اللّٰه كمعلم: خلال خدمة يسوع على الارض التي دامت ثلاث سنوات ونصفا، درَّب رسله ليكملوا العمل الذي بدأ به. ولكن بما انهم بشر ناقصون، لم يكن باستطاعتهم ان يتذكروا كل تفصيل علَّمهم اياه. لذا وعدهم: «اما المعين، الروح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي، فذاك سيعلِّمكم كل شيء ويذكِّركم بكل ما قلته لكم». (يو ١٤:٢٦) وعنى ذلك ان روح اللّٰه كان سيعلِّمهم كل ما لزمهم ليعرفوا كيف يتمِّمون خدمتهم. وكان سيمكِّنهم بشكل خاص من فهم ما سمعوه قبلا لكنهم لم يفهموه. ففي دوره كمذكِّر، كان سيعيد الى ذاكرتهم اشياء قالها يسوع حين كان معهم. وفي دوره كمعلم، كان سيُظهِر لهم الانطباق الصحيح لكلماته. — قارن يو ٢:١٩-٢٢؛ انظر «الحق» («روح الحق»).
لذلك كان بإمكان تلاميذ يسوع ان يتَّكلوا بكل ثقة على روح اللّٰه كمذكِّر ومعلم حين يحضرونهم امام التجمعات العامة، الملوك، وغيرهم من اصحاب المراكز الحكومية. فروح اللّٰه كان سيعمل كصديق لهم يذكِّرهم بأمور ليقولوها ويساعدهم ان يطبِّقوها تطبيقا صحيحا، ما يؤدي الى تقديم شهادة حسنة وإسكات المقاومين. (مت ١٠:١٨-٢٠؛ مر ١٣:١١؛ لو ١٢:١١، ١٢؛ ٢١:١٣-١٥) هذا هو السبب الذي جعل بطرس ويوحنا يتكلمان بجرأة عندما استجوبهما السنهدريم، المحكمة اليهودية العليا، بخصوص شفاء رجل مقعد منذ الولادة. وقد تعجَّب اعضاء السنهدريم لأنهم لم يتوقعوا ابدا جرأة كهذه من ‹انسانَين غير متعلِّمَين وعاميَّين›. ونتيجة كلمات بطرس، اضافة الى وجود الرجل الذي شُفي، لم يكن لهؤلاء الرجال المتعلِّمين «شيء يقولونه ردًّا على ذلك». — اع ٤:٥-١٤.
بما ان كلمة اللّٰه كُتبت بالوحي (٢ تي ٣:١٦)، فهي وحدها تتضمن تعليم الروح. لذا يجب ان يتجنب المسيحيون اي تعليم يتعارض مع كلمة اللّٰه. قال الرسول يوحنا: «لا حاجة لكم ان يعلِّمكم احد. ولكنَّ المسحة منه هي حق وليست كذبا، وهي تعلِّمكم عن كل شيء. وكما علَّمَتكم، ابقوا في اتحاد به». (١ يو ٢:٢٧) كان يوحنا يوجِّه كلماته هذه الى مسيحيين مولودين من الروح. وهؤلاء كانوا قد تعرفوا الى يهوه اللّٰه وابنه المسيح يسوع. وكانوا يعرفون كاملا حق اللّٰه. لذا لم يحتاجوا الى معلمين ينكرون الآب والابن. فمعلمون كهؤلاء كانوا سيخدعونهم ويبعدونهم عن الحق الذي علَّمهم اياه روح اللّٰه ودُوِّن بوضوح في الكتابات المقدسة. (١ يو ٢:١٨-٢٦) لهذا السبب، ما كان يجب على المسيحيين ان يستقبلوا معلمين مرتدين في بيوتهم او حتى ان يسلِّموا عليهم. — ٢ يو ٩-١١.
عمل التبشير والتعليم: بعدما قام يسوع المسيح من الموت، اوكل الى اتباعه ان يعلِّموا الناس ليصيروا تلاميذه ويعمِّدوهم ويعلِّموهم كل ما اوصى به. (مت ٢٨:١٩، ٢٠) وقد اتَّبعوا خطواته وقاموا بهذا العمل التعليمي الذي لاقى نجاحا مماثلا لعمله. وعملهم لم يقتصر على التبشير اينما كان بالاخبار الحلوة عن مملكة اللّٰه، بل شمل ايضا تعليم المهتمين. (اع ٢:٤٢) وهذا العمل الواسع النطاق ابتدأ يوم الخمسين سنة ٣٣ بم، حين آمن نحو ٠٠٠,٣ شخص من اليهود والذين كانوا قد صاروا يهودا ان يسوع هو المسيا الموعود به واعتمدوا. لكنَّ تعليم هؤلاء التلاميذ الجدد لم ينتهِ بمحاضرة الرسول بطرس التي جعلتهم يصيرون اتباعا للمسيح يسوع. فقد تبقَّى الكثير ليتعلموه. لذا، فإن الذين اتوا الى اورشليم من مناطق بعيدة للاحتفال بيوم الخمسين مدَّدوا اقامتهم كي يتمكنوا من التفرغ للاستماع الى تعليم الرسل. فكانوا كل يوم يجتمعون في منطقة الهيكل، ليصغوا الى الرسل كما يتَّضح. بعد ذلك، سمع البشارة هناك ايضا اشخاص آخرون من اليهود والذين كانوا قد صاروا يهودا، فازداد عدد الرجال المؤمنين الى ٠٠٠,٥ تقريبا. — اع ٢:١٤–٤:٤.
على مثال يسوع، كان التلاميذ جريئين وتكلموا بسلطة. (اع ٤:١٣، ١٩، ٢٠؛ ٥:٢٩) فالروح القدس منحهم القوة، ودعْمه لهم كان دليلا ان اللّٰه راض عن تعليمهم. وقد علَّموا في الهيكل والمجامع ومن بيت الى بيت. (اع ٥:١٦، ٢١، ٤٢؛ ١٣:١٤-١٦؛ ٢٠:٢٠؛ انظر «الكارز، الكرازة» [«من بيت الى بيت»].) كما اجتمعوا معا بهدف التعليم وتحريض بعضهم بعضا على المحبة والاعمال الحسنة. — اع ٢٠:٧، ٨؛ عب ١٠:٢٤، ٢٥.
بعدما تفرَّق المؤمنون بسبب الاضطهاد، ابتدأوا يبشرون غير اليهود، فتوسَّع عمل تبشير الناس وتعليمهم ليصيروا تلاميذ للمسيح ووصل الى مناطق بعيدة. (اع ٨:٤-١٢؛ ١١:١-٢٦) ولكن، مثلما كانوا يفعلون في اورشليم، غالبا ما بشروا وعلَّموا علانية لمعرفة مَن هم الاشخاص المهتمون ثم استمروا في تعليم الذين صاروا تلاميذ. مثلا، علَّم الرسول بولس علنا في المجمع في افسس. ولكن بعدما لاقى المقاومة، فرز التلاميذ عن اليهود غير المؤمنين وصار يقدِّم لهم خطابات في قاعة مدرسة تيرانس. (اع ١٩:٨-١٠) كما ان بولس علَّم التلاميذ في بيوتهم وفتَّش عن مهتمين آخرين بالتعليم من بيت الى بيت. فقد ذكَّر الشيوخ في جماعة افسس: «لم أُمسِك عن إخباركم بكل ما هو مفيد، ولا عن تعليمكم علانية ومن بيت الى بيت». — اع ٢٠:٢٠، ٢١؛ قارن اع ١٨:٦، ٧ بشأن عمل التبشير والتعليم الذي قام به بولس في كورنثوس؛ انظر «التلميذ».
التعليم داخل الجماعة المسيحية: بفضل جهود الرسول بولس وغيره، تأسست في مناطق عديدة جماعات مسيحية ظلت تشهد زيادات في الاعداد. لذا نشأت الحاجة الى معلمين مؤهَّلين ليساعدوا افراد هذه الجماعات. وعندما وصف الرسول بولس المسؤوليات والنشاطات المختلفة ضمن الجماعة المسيحية التي قام بها رجال ناضجون، بمَن فيهم المعلمون، اظهر ان الهدف منها كلها هو التعليم. وهذا التعليم هو لتدريب القديسين، للقيام بعمل الخدمة، لبناء جسد المسيح، الى ان يصلوا كلهم «الى الوحدانية في الايمان وفي معرفة ابن اللّٰه الدقيقة، الى انسان مكتمل النمو، الى قياس قامة ملء المسيح». (اف ٤:١١-١٦) وهذا حمَّل الذين خدموا كمعلمين مسؤولية ثقيلة، مسؤولية تؤثر بشكل مباشر على حياة اخوتهم المسيحيين. فدور المعلمين كان مهمًّا جدا حتى انه أُدرج في المرتبة الثالثة بعد الرسل والانبياء عند تعداد مختلف الاعضاء الذين وضعهم اللّٰه في الجماعة. (١ كو ١٢:٢٨) وهذا الدور لم يُعطَ لأيٍّ كان بين المسيحيين (١ كو ١٢:٢٩)، ولم يُعطَ ابدا لأي امرأة، بل لرجال ناضجين يخدمون كنظار مثل تيموثاوس وتيطس. قال الرسول بولس: «لا اسمح للمرأة ان تعلِّم، ولا ان تتسلط على الرجل». (١ تي ٢:١٢) فالنظار، او الشيوخ، المعيَّنون بواسطة الروح القدس، هم مَن قاموا بهذه المسؤولية. — اع ٢٠:١٧، ٢٥-٣٠؛ ١ تي ٣:١، ٢؛ ٥:١٧.
وهؤلاء الشيوخ كان يجب ان يرسموا مثالا جيدا للآخرين، وأن يحرصوا حرصا شديدا ان يكون تعليمهم صحيحا ودقيقا عن طريق الالتصاق بكلمة اللّٰه الموحى بها. فكمعلمين مؤهَّلين، شكَّلوا سدًّا منيعا في وجه الانحراف عن الايمان الحقيقي، اذ كانوا يحرصون دائما ان يصحِّحوا تفكير الذين وقعوا ضحية التعليم الخاطئ ويأخذون اجراء في حق الذين يروِّجون البدع. — ١ تي ٤:٦، ٧، ١٦؛ ٦:٢ب-٦؛ ٢ تي ٢:٢، ١٤-٢٦؛ ٣:١٤-١٧؛ ٤:٢، ٣؛ تي ١:١٠، ١١؛ ٢:١، ٦، ٧؛ ٣:٩-١١؛ قارن رؤ ٢:١٤، ١٥، ٢٠-٢٤.
والشيوخ (باليونانية پرِسبيتِري) الذين عملوا بكدّ في تعليم اخوتهم المسيحيين استحقوا الاحترام، الاعتبار (قارن عب ١٣:١٧)، وحتى التبرعات المادية. وهذا ما قصده الرسول بولس حين كتب: «وليشارك الذي يلقَّن [حرفيا، الذي تُغرَس فيه] الكلمة مَن يلقِّنه في جميع الخيرات». (غل ٦:٦، حاشية كمم٨) وكذلك عندما قال: «ليُحسَب الشيوخ الذين يشرفون حسنا مستحقين كرامة مضاعفة، وخصوصا الذين يعملون بكد في الكلمة والتعليم. فإن الآية تقول: ‹لا تكمَّ ثورا وهو يدرس الحبوب›، وأيضا: ‹العامل مستحق اجرته›». — ١ تي ٥:١٧، ١٨.
لا شك ان الرجال الذين سعوا دون انانية ليصيروا نظارا مؤهَّلين ليعلِّموا الآخرين في الجماعة كانوا في الواقع ‹يشتهون عملا حسنا›. (١ تي ٣:١) لذا، من الواضح ان التلميذ يعقوب لم يكن يُضعف عزمهم ان يصيروا مؤهَّلين للتعليم حين كتب: «لا يكن كثيرون منكم معلمين، يا اخوتي، عالمين اننا ننال دينونة اعظم». (يع ٣:١) بل كان يشدِّد على المسؤولية الثقيلة التي تُلقى على عاتق المعلمين في الجماعة. فكما يظهر، جعل البعض انفسهم معلمين رغم انهم لم يكونوا معيَّنين او مؤهَّلين للقيام بهذه المسؤولية. والذين كتب عنهم يعقوب كانوا على الارجح مثل الذين كتب عنهم بولس الى تيموثاوس: «انحرفوا الى كلام تافه، راغبين في ان يكونوا معلمين للشريعة، وهم لا يدركون ما يقولون وما يؤكِّدون». (١ تي ١:٦، ٧) فمن الواضح ان هؤلاء الاشخاص كان هدفهم البروز، الامر الذي يرافق تلقائيا امتياز التعليم في الجماعة. لكنَّ يعقوب صحَّح طريقة التفكير هذه حين اظهر ان المطلوب من المعلمين في الجماعة هو اكثر من ذلك. فالمسؤولية التي سيقدِّمون حسابا عنها هي اثقل بكثير من مسؤولية باقي المسيحيين. (قارن رو ١٤:١٢.) ولكنهم هم ايضا سيخطئون في الكلام مثلهم مثل غيرهم. — يع ٣:٢.
كيف يكون كل المسيحيين معلمين؟ كما تذكر ١ كورنثوس الفصل ١٤، وضعت الجماعة برنامجا منتظما لتعليم كلمة اللّٰه. وفي حين ان قليلين نسبيا خدموا كمعلمين داخل الجماعة، كان الهدف الذي يجب ان يسعى اليه كل المسيحيين، حتى النساء، هو امتلاك المقدرة على تعليم معتقداتهم للآخرين، اقلُّه على صعيد شخصي. (اع ١٨:٢٦؛ رو ١٢:٧) وهذا ما اوضحه بولس للمسيحيين من اصل عبراني حين قال: «اذ كان ينبغي ان تكونوا معلمين بسبب طول الزمان، عدتم تحتاجون الى مَن يعلِّمكم من البداية المبادئ الاولية لإعلانات اللّٰه المقدسة». فبما ان اليهود كانوا اول مَن سمع البشارة عن المسيح، ما كان يجب ان يظل هؤلاء المسيحيون اطفالا روحيا، بل ان يصيروا امثلة في النضج والقدرة على تعليم الآخرين. (عب ٥:١٢–٦:٢) من الواضح اذًا ان بولس كان يتكلم عن التعليم بشكل عام، لا عن التعليم الذي يقوم به شخص معيَّن في مسؤولية ما. وهذا يشبه الى حد معيَّن ما قاله عن اليهودي الذي يصير، على اساس معرفته، ‹مقوِّما لعديمي التعقل، ومعلما للاطفال›. (رو ٢:١٧-٢٠) لكنه اظهر بعد ذلك ان التعليم الذي يكرم اللّٰه يتطلب ان يكون سلوك المعلم منسجما مع ما يعلِّمه. — رو ٢:٢١-٢٤.
ايضا، بإمكان المسيحيين ان يتعلموا واحدهم من الآخر. مثلا، يمكن ان تتعلم الشابات من النساء المسنات امورا كثيرة، منها ان يكنَّ «محبات لأزواجهن، محبات لأولادهن، رزينات، عفيفات، عاملات في بيوتهن، صالحات، خاضعات لأزواجهن، لئلا يُقال كلام مهين على كلمة اللّٰه». وهذا التعليم على صعيد شخصي يكون فعَّالا اذا ترافق مع المثال الجيد. — تي ٢:٣-٥؛ قارن ٢ تي ١:٥؛ ٣:١٤، ١٥.
التربية البدنية والتعليم الدنيوي: لا يتحدث الكتاب المقدس شيئا عن التربية البدنية إلا ما كتبه الرسول بولس: «التدريب الجسدي نافع لقليل، اما التعبد للّٰه فنافع لكل شيء، اذ فيه وعد الحياة الحاضرة والآتية». (١ تي ٤:٨) رغم ان قيمة النشاط الجسدي وقتية، إلا انه ضروري لكي يقوم المسيحي بعمل التبشير والتعليم بحماسة كما يوصي الكتاب المقدس. مثلا، كان يسوع يمشي كثيرا وهو يبشِّر. وهذا ما فعله ايضا تلاميذه؛ فخدمة بولس تطلبت منه ان يسافر باستمرار، والسفر في ذلك الوقت تطلب الكثير من المشي.
كذلك، نادرا ما يذكر الكتاب المقدس شيئا عن التعليم الدنيوي. إلا انه يحذِّر المسيحيين من ان يغوصوا في فلسفات البشر او يخوضوا في مباحثات حمقاء وغير مفيدة. كما ينبِّه بشدة من التعرض لأفكار الذين لا يؤمنون باللّٰه وبكلمته. (١ تي ٦:٢٠، ٢١؛ ١ كو ٢:١٣؛ ٣:١٨-٢٠؛ كو ٢:٨؛ تي ٣:٩؛ ١:١٤؛ ٢ تي ٢:١٦؛ رو ١٦:١٧) لقد ادرك المسيحيون قديما انهم ملزمون امام اللّٰه ان يعملوا ليعيلوا عائلاتهم. لذلك احتاجوا في اغلب الاحيان الى نوع من التعليم والتدريب يؤهلهم ليقوموا بهذا العمل الدنيوي. (١ تي ٥:٨) لكننا نستنتج من تاريخ المسيحيين الاوائل ان اهتمامهم الاكبر انصبَّ على ايجاد اي وسيلة للقيام بعمل ‹التبشير›، وعلى تعلُّم الاسفار المقدسة وتعليمها لكل الذين يصغون اليهم. (١ كو ٩:١٦) قال إ. ج. غودسبيد في كتابه المسيحية تلجأ الى الطباعة، (١٩٤٠، ص ١١١):
«حالما ادرك المسيحيون اهمية الطباعة في نشر انجيلهم حول العالم، استفادوا منها الى اقصى حد، ليس فقط بنشر كتب جديدة بل ايضا بالبحث عن كتب قديمة ليطبعوها. وهذا الشغف بالطباعة لم يفارقهم. ولكن من الخطإ الافتراض ان اختراع الطباعة هو ما اشعل هذا الشغف؛ فقد تميَّز به المسيحيون من سنة ٧٠ بم فصاعدا، لكنه ازداد قوة حين تبيَّنت فعَّالية هذه الطريقة. حتى الغزوات البربرية والعصور المظلمة لم تستطع اطفاؤه. وهذا كله دليل على الدافع القوي الذي حرَّك كامل حياة المسيحيين الاوائل، الذين سعوا الى نشر الانجيل بكامله ودون تحفظ الى كل البشر ليس فقط بالقول والعمل، بل ايضا بأحدث تقنيات الطباعة». — انظر «المدرسة»؛ «المربِّي».